أشهر حالة مرضية في علم الأعصاب

81250742 1525506177590036 877825726856822784 n

اعداد : عز الدين ايمن


كما يقال ان الشهرة والأضواء تأتي لمن لا يطلبها !!
نحن اليوم في صدد ذكر مشهور من نوعٍ مختلف.. من النوع الذي برائحة الموت !!

كان فينياس جيدج كالعادة يمارس عملة كاقاطع أساسات السكة الحديدية، وذلك في أحد أيام 1848.. وكان يضع مسحوق متفجر في الحفر كعادتة ويقوم بالضغط عليها بقضيب حديدي طويل نسبياً.. ولكن ولسؤ الحظ في ذلك اليوم أشتعلت شرارة وحدث أنفجار.. وأخترقت قطعة حديد طولها (3,18 سم) الجزء الأيسر من وجه جيدج ، مخترقة جزء من دماغة وجمجمتة، وخارجة من الناحية الأخرى…

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏٢‏ شخصان‏


الشئ المثير للتعجب أنه لم يغمى عليه حتى.. نقل الى بيته..
وذهب اليه الدكتور جون هارلو (بطلب من الشركة) ، فطهر الدكتور الجرح وغطاه واستأصل الشظايا من بقايا عظام الجمجمة المهشمة؛ عن طريق أدخال الأصابع لداخل الجمجمه والتحسس بأماكن الشظايا واخراجها… ورغم الجهود البدائية..الحثيثة والمتطوره حينها، تلوثة أصابة جيدج ؛ ودخل غيبوبة لفترة..
عائلتة فقدو الآمل في حياة جيدج..
ولكن جيدج وخلاف التوقعات فاق من غيبوبته، وبدون مواجهة مشاكل في النطق ، وخلال عشرة أيام فقط.. كان تعافى تماماً، وذاكرتة سليمة بالكامل… وبعد شهور أستعاد حالته الجسدية ، وجعلته شخصاً أخر.. حرفياً.

دعونا نرجع الى الخلف قليلاً، لندقق في شخصية جيدج قبل الحادثة؛ لمعرفت مدى التغيير الذي طرأ في شخصيتة.

كان جيدج شخص عصامي، من أسرة مزارعين، لم يلتحق بالمدرسة، ولكنه كان شديد الذكاء والفطنة، وكان مجتهد جداً، وعقلة متزن ، ويستطيع تنفيذ خططة التشغيلية بطريقة حرفية.

ولكن بعد الحادثة.. كان يستخدم ألفاض نابية، عصبي، لا يحترم المواعيد، سكير ، غير ملتزم وغير مؤهل للعمل؛ وهذا مادفع الشركة للأستفناء عن خدماته.

بعد ان طرد جيدج من الشركة، ظل يتنقل بين الأشغال.. ولكنه لم يفلح في اياً منهن.. فسافر الى تشيلي وأشتغل فتره
، ولكن بدأت حالته تتدهور ؛ فعاد وأنتقل مع والدتة وأختة الى كاليفورنيا، وضل فيها الى أن مات وهو في السادسة والثلاثون من عمرة؛ بسبب نوبات صرع ، أي بعد 12 سنة تقريباً من الحادثة المشؤمة.

في سنة 1850 وصل خبر موت جيدج الى الدكتور وأستاذ الجراحة في جامعة هارفارد د. هارلو..
وكان حينها مقتنع بأن جيدج قد كان تعافى تماماً جسدياً.. ولكنه لم يلقى تفسير للتغيرات التي طرأت على جيدج ؟

بعد وفاة جيدج سنة1860 ، لم يدقق أحد في فحص دماغة..
فقد تم دفنة بعد موتة.. ولكن وعام 1867 أستخرجو جثتة، وأرسلو جمجمتة للدكتور هارلو والذي ومُنذُ بداية الحادثة أهتم بحالة جيدج ، ودرس هارلو جمجمة جيدج جيداً..
ووضعو جثت جيدج، والقضيب الحديدي الي اخترق جمجمة جيدج في متحف ” وارن التشريحي ” في كلية الطب بجامعة هارفارد.

ومع استخراج الجمجمة بدأت المحاولات لدراسة الحالة.. والموضوع توسع أكثر، وحُدد الأماكن التي تضررت ، وكان هناك أيضاً فريق بحثي من العلماء، بقيادة عالم أعصاب أسمة جاك فان هورن.. قامو بتأسيس نموذج رقمي لمسار القضيب
كان في مختبر تصوير الأعصاب في جامعة كاليفورنيا(UCLA) والتي كانت جزء من المشروع الكبير (Human connectome)… خرجو بنتائج مهمة في الأخير، وكانت تقول أن الأضرار التى وجدوها في جمجمة جيدج، أشد بكثير من التي كان مقدر لها من قبل الأطباء والعلماء الذين درسو حالته وقت وقوع الحادث… وقال الباحثين أن 4% من القشرة الدماغية تم تدميرها بالكامل، وحوالي 11% من مجموع المادة البيضاء في الفص الجبهي أختفت تماماً.. وأكتشفو ان الحادثة هذه سببت أضرار في منطقة إتصال القشرة الأمامية بالجهاز الليمفاوي والذي له دور في تنظيم بعض العواطف ، وهذا السبب الذي تجلى وبشدة في سلوك جيدج.

في 1868 كتب د.هارلو تقرير وضح فية المظاهر العقلية لإصابة جيدج التي ذكرها.. وأستنتج أن الضرر الذي سببه القضيب في القشرة الأمامية للمخ Frontal cortex عملة أضطراب في الإدراك الإجتماعي، وهذه كانت أول الدلائل التي جعلت الأطباء وعلماء الأعصاب في ذلك الوقت الربط بين وظيفة القشرة الأمامية للمخ وسلوك البشر..
في نفس الوقت كان أحد رواد البحث في علم الأعصاب الأسكتلندي ديفيد فريايد يقوم بأبحاث تجريبية كثيرة على وظائف المخ.

وفي سنة 1878م قال (ديفيد) في أحدى محاظراته في الكلية الملكية للأطباء، قال أن إحدى تجاربة على أدمغة حيوانات من رتبة الرئيسيات Primates لاحظ إن تلف القشرة الأمامية ليس له أي تأثير على القدرات الجسدية للحيوانات.. ولكن يحدث تأثر وتغير كبير وملحوظ في شخصية وسلوك الحيوان، وأخذ حالة جيدج كدراسة تأكد بحثة.

بعض التقارير أنصفت جيدج قليلاً..وقالت: انه لم بتغيير لتلك الدرجة التي فضل الناس والأطباء تبالغ فيه، وأنهم عملو هكذا؛ لكي يكون جيدج فأر تجارب لأبحاثهم… ولكن التقارير والنظريات هذه تكاد تكون معدومة، لكبر الفقاعة الأعلامية المفتعلة لتلك الحالة.

طبعاً حدثت الكثير من الحوادث الممثالة.. مثل قصة الجندي ذي الخامسة عشرة من عمرة ، والذي أصيب بجروح عميقة ؛ بسبب تفجير حدث في مدفع صغير.. وفجرت الشظايا مقدمة رأسة، وحصلت له أضرار بالغة وتمت أزالة 32 عظمة ، وتمت أستأصال أجزاء من الجزء الأمامي من دماغة… والمثير للدهشة أنه تم تفريغ بعض الأجزاء من المخ، وبعدها قال بعض المسؤلون عنه: أنه لم يكن في الفترة تلك أي أعراض للأصابة البشعة التي تعرض لها، وأنه جاوب على كل الأسئلة التي طرحت عليه بكل عقلانية تماماً.

بعد ثلاثة شهور كان الجرح ألتئم، وأشارت التقارير أنه في حالة صحية ممتازة، ولم يحدث له قصور في القدرات العقلية
.

ولنفس السبب سنة 1927 وصل تقرير لدكتور أسمة روجرز.. عن عملية طبية شبيهه ناتجه عن أنفجار في جزء من نهاية مدفع.. ولما مرت ثلاثة أسابيع على العملية التي أجراها ، أكتشف الجندي قطعة حديد عالقة في رأسة تحت الأصابة..
وخرج مع أستئصالها كمية كبيرة من العظام، ومع كل المأساة الا انه تم علاجة تماماً في أربعة شهور.

وفي حالة قريبة جداً حصلت بسبب أختراق جزء من مدفع لبوصة كاملة من المخ، ومع ذلك لم يؤثر الحادث لأي أعراض حادة ، وتعافى في أقل من24 ساعة.

كانت الأصابة خلال القرن ال19 تمثل مشاكل كبيرة وقتها ، ومن المستحيل التعامل معاها ، وكان من حسن حظ الجنود ، أن رأسهم محمي بكتلة من بارود؛ على أنه مطهر قوي لأصابات الحروب.