..
بائعهالوطنوالعرض_والدين
أعداد بسمه_العزابي
في صيف 1972، قرأت أمينة إعلاناً غريباً في إحدى الصحف، تطلب فيه إسرائيل متطوعين من يهود أوروبا للالتحاق بجيش الدفاع، مقابل مرتبات ومزايا عدة مغرية، تصورت أمينة أنها عثرت على الحل المثالي لمعاناتها، وأخذت تعد العدة لموشيه لإقناعه بالفكرة، خصوصا أنه سيحصل على جواز سفر إسرائيلي، ومسكن في إسرائيل، وأنها بمرافقته إلى هناك ستودّع الخوف إلى الأبد.
لكن موشيه الذي كان يسعى للعمل في إحدى شركات الطيران المدنية عارض الفكرة ورفضها، بدعوة أن إسرائيل والعرب في حالة حرب لن تهدأ حتى تشتعل، طالما أن هناك أرضاً محتلة وشعوباً عربية ثائرة، لكن مع إلحاحها المتواصل ليل نهار، تقدم موشيه بأوراق إلى السفارة الإسرائيلية، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1972 كانا يطيران بطائرة العال إلى إسرائيل.
حظيت أمينة، التي أصبح اسمها آني موشيه، باستقبال رائع في مطار اللد الإسرائيلي، استقبال تحير له موشيه كثيراً وظن لأول وهلة أن زوجته إما أن تكون شخصية مرموقة ومعروفة في عمان، أو أنها ممثلة إسرائيلية شهيرة.
بعد أيام قليلة، استُدعيت أمينة إلى إحدى الجهات الأمنية، حيث سئلت مئات الأسئلة عن نشأتها في الأردن، عائلتها، وظائف أقاربها ومعارفها، كيفية تعارفها وموشيه وزواجهما، فأجابت في سرد طويل. سئلت أيضاً عما تمثله إسرائيل بوجدانها، وعن مشاعرها تجاه الأردن والفلسطينيين، فأقرت بأنها تكره منظمة التحرير وكل المنظمات الفلسطينية، وأن الملك حسين أخطأ كثيراً عندما لم يقتلهم جميعاً في الأردن، فهم يكرهون – على حد تعبيرها – الأقلية الشركسية في الأردن، ضربوا بيوتها وأتلفوا ممتلكاتها، ظناً منهم أن عمها – اللواء بالبلاط الملكي – كان وراء مذابح سبتمبر (أيلول) 1971، وأحد مرتكبيها.
حادث موشيه
خضع موشيه لتدريبات الاستطلاع الجوي، بعدما تقلد رتبة رائد طيار في سلاح الجو الإسرائيلي. في آخر يناير (كانون الثاني) 1973 طار بطائرته الـ «سكاي هوك» باتجاه الجبهة السورية، فأسقطته مدفعية السوريين في أول طلعة استطلاع له واعتبر مفقوداً منذ تلك اللحظة، لأن سورية لم تعلن عن أسر الطيار الإسرائيلي كما كان يحدث، لكنها أعلنت أن الطائرة انفجرت في الجو وقائدها في داخلها.
لم تصدق أمينة الخبر، ولأيام طويلة ظلت تصرخ صرخات هستيرية لا تتوقف، وفي عيادة «كوبات حوليم هستدروت» للأعصاب في ريشون لتسيون، احتبس صوتها، أو لنقل إن صدمة الفاجعة ألجمت لسانها فصمتت، وبعد شهر ونصف الشهر تكلمت، ونطقت قائلة بأنها تشكك في البيان السوري، وبأن موشيه لا يزال حياً، متخفياً بين الحشائش والمغارات، فهو طيار ماهر وقدراته عالية جداً.
في تصرف جريء، تقدمت أمينة بطلب إلى السلطات المختصة للسماح لها بالسفر إلى بيروت ودمشق لتقصي أخبار زوجها، وما هي إلا أيام قليلة حتى طارت بجواز سفرها الإسرائيلي إلى فيينا، فالتقت بأسرة موشيه الحزينة، ومكثت بينهم أيامًا عدة حاولت خلالها أن تتنسم عبير الحبيب المفقود، لكنها أحست بأن عبيره أشد كثافة ووقعاً في أطراف العاصمة، وفي الشقة التي شهدت أروع ذكرياتها، أطلقت شهقات حزنها ولوعتها وحيدة تلثم المقاعد والستائر والوسائد، وتطوف بين حجراتها تنادي موشيه وتتحسس كتبه وأسطواناته وأحذيته.
بصعوبة شديدة، استطاعت سارة إقناعها بأن تغادر الشقة. حملت أمينة حقائب حزنها وتوجهت إلى المطار، وبجواز سفرها الأردني طارت على أول رحلة إلى بيروت ونزلت في أحد الفنادق. في رحلة تجوالها، تعرفت الى سيدة لبنانية من أصل أردني تدعى خديجة زهران، تمتلك وتدير محلاً للملابس الجاهزة، فاشترت منها ملابس بمبلغ كبير لتتقرب إليها، ودلتها خديجة على شقة صغيرة في حي عين الرمانة، انطلقت منها للبحث عن زوجها. بعد رحلات عدة بين بيروت ودمشق، فشلت أمينة في الوصول إلى ما يطمئنها، وتأكد لديها أن موشيه قُتل لا محالة، فغادرت بيروت إلى فيينا تخنقها عبرات الأسى والغربة.
الي اللقاء في الحلقة القادمة.








