الطيبون يرحلون وكذلك الأشرار

FB IMG 1598247772775

قصة قصيرة …

بقلم / على حزين
ما هو الموت ..؟!.. وما حقيقته ..؟! .. هل الموت نهاية الأشياء..؟!.. أم بداية حَيَوات أخرى جديدة ..؟.. حياة أبدية نجهلها , قد تكون سعيدة , أو قد تكون شقاء , من يدري ..؟.. أنا أعلم ذلك , بل وأؤمن به أيضاً ….
الموت .. هذا الكائن العجيب الذي يقف حارساً علي بوابة الغيب البعيد , ذاك القطار الذي يركبه الجميع , ويحملنا قصراً , ودون رغبة منا إلي هناك , حيث ينبغي أن نكون في مكان آخر , وفي زمنٍ آخر, هناك بالتأكيد عالمٌ آخر يختلف تماماً وبكل المقاييس عن عالمنا هذا .. ,…..
الموت .. هو الحقيقة الكبرى التي لا يستطيع إنسان كائن من كان أن ينكرها …
هذا الكائن العجيب الذي حيّر الباحثين والعلماء على مر العصور , وعبر التاريخ ,
الموت .. كل ما يمكن أن نعرف عنه , أنه مخلوق غير مرغوب فيه لدى كثير منا , وله صولات وجولات , وله رُسل وأعوان ..
الموت .. هادم اللذات , ومفرق الجماعات .. هل تستطيع أن تنكر الموت ..؟!..
(( كُلَّ باكٍ سيُبكى ، وكُلَّ ناعٍ سيُنعى، وكُلَّ مَدْخورٍ سيفنى , وكُلَّ مذكورٍ سيُنسى , ليس غير الله يبقى , )) …….
ما أبشع تلك اللحظات التي تمر علينا حين نفارق فيها من نحب, صعب جداً أن ترى من تحب , وهو يتعذب أمام عينيك , وهو يغادر الحياة , ولا تستطيع أن تفعل له أي شيء , إلا الدعاء , والبكاء حد النحيب ,
أحاول أن أنسى ما قاله أبي لي عند الموت , وما قاله لي أخي عبر الهاتف ..
ــ أبي يحتاج إلي عملية جراحية دقيقة, ولكنه لم يقوى عليها لحكم السن ,
هكذا قال لي أخي , وأنا هناك في الجيش , فوق الجبهة , ……
أما الطبيب كان له رأي آخر , عندما قدمت له الإشاعات والتحاليل الخاصة بأبي ,
ــ من قال هذا ,؟! ــ وتعجب ــ ثم واصل ــ بل يمكنه أن يجري العملية , ولكنها مكلفة بعض الشيء .. ,؟!!
” آآآه .. يا أيها الموت البغيض , لو كان لك قلب .؟.. لو كنت تعرف ما الحب ..؟! .. لو كان للموت قلب..؟!.. أو يملك مشاعر , وأحاسيس مثلنا .. لنفترض ذلك , دعونا لنفترض, ترى أكان سيفعل بنا ما يفعل ,؟,. ترى هل سيرحمنا..؟!.. وهل سيتركنا, وشأننا ,؟.. أنا أفترض , مجرد افتراض , هل تراه يستطيع أن يفعل بنا ما يفعل,؟!
كم أنت قاسٍ أيها الموت البغيض إلي النفس , إني أكرهك من كل قلبي , نعم إني أكرهك , ولا أريدك .. “
” مشيناها خطاً كتبت علينا … ومن كتبت عليه خطاً مشاها “
” ومن حانت منيته بأرضٍ … لم يمت في أرضٍ سواها “
مازلت أذكر ذلك اليوم البعيد , حين مات أبي ــ رحمه الله ــ ولا أنسى ذلك اليوم .. أستطيع أن أتذكر كل شيءٍ الآن , حينها كنتُ غير مصدقً , بأن أبي مات , ولم يخطر ببالي انه سيموت هكذا ويتركنا , ..
كل شيء يمر الآن أمام عيني, كما لو كان شريطاً سينمائياً , كم كانت تلك اللحظات قاسية, وصعبة , وعصيبة علي النفس , ..
بكيت , نعم بكيت عليه, وعلي كل من رحلوا , بكيت حتى انتحبت , ودعوت لهم الله بأن يرحمهم جميعاً ….
أذكر يومها , كنت علي الجبهة , أؤدي الخدمة العسكرية , وقد فرغنا من طابور الهتاف , وكانت الشمس تجنح للغروب , وكنت أشعر بقدميَّ لا تستطيع أن تحملني ولا أقوى علي حمل جسدي المتهالك , الذي أنهكته الشمس , والتدريبات الشاقة , حينها شعرت بقبضة في قلبي , وكأن أحداً يريد أن ينزعه من صدري , قُبيِل الخبر الذي جاءني , عبر صوت أخي في الهاتف , ليخبرني بما حدث , …..
ــ أبوك راقد علي فراش الموت , ويريد أن يراك قبل أن يموت “,
لم أذكر ماذا قلت له وقتها .. لكني أذكر جيداً أني غبت عن الوعي , ووقعت من طولي, وحملوني رفاقي إلي داخل العنبر , في محاولة لإنقاذي … وإفاقتي …..
ــ آآه أيها الشراب اللعين ..
أبي مات بعد ما ودعني , وأوصاني بأمي خيراً, أبي كان يعاني من ارتفاع في ضغط الدم , في أخر مرة تركته فيها , كان علي ما يرام , وكاد أن يشفى منه نهائياً ,
في ذلك اليوم الشؤم , فقط , خرج ليقضي بعض حاجاته , وفي طريقه للعودة , وتحديداً أمام شارعنا الضيق , وقع في حفرةٍ كبيرة للصرف الصحي الذي لم يزل بعد في طور الإنشاء , فكسر حق فخذه , وأصيب بإصابات بالغة في ظهره , آآآه ..
” ملعونة هي كل الحفر التي تملأ شوارعنا , وملعون من يتركها هكذا لكي نقع فيها , ما أكثر الفساد في بلادنا , وما أكثر الذين يموتون بسببه …. حنانيك يا الله .. ؟!” …..
ــ كأن واحداً ضربني بين كتفي , وهو يقول لي كفاك , فلم ادري بعدها بشيء ..
ــ ستشفي بإذن لله يا أبتي, وتقوم لنا بالسلامة , قل يا رب , …
إني أكرهك أيها الموت البغيض , المقيت , لأنك أخذت أبي , وأخذت كل الذين نحبهم .. إني أكرهك , ولا أخافك , ولم أعد أهابك , ولا أخاف الآن منك , ليتك تأتي الآن , فلتأتي إليَّ الآن , إني منتظرك , فأنا بعد ما رحل عني أبي , أعز وأغلى الناس عندي , ما عدت أخشاك , ولا أهابك , ولا أرغب في البقاء بعده , في هذه الحياة البائسة ,…..
ـ تباً لهذا الشراب اللعين , لقد أسرفت الليلة علي نفسي في الشراب ..؟!!.
صديقي الطيب بالأمس مات هو أيضاً , صديقي كان لا يؤذي أحداً , كان رجلاً صالحاً , أشهد علي ذلك , كان لا يعاني من أي شيء , فقط , مات في هدوء , ورحل عن هذه الحياة, وترك كل ما فيها , مات كما مات أبي , من قبل ,…
أبي عاش فقيراً, ومات فقيراً, وأمي أيضاً رحلت بعد أبي ببضع سنين , ماتت هي الأخرى بالإهمال الطبي في إحدى المستشفيات , حيث لا عناية , ولا رعاية , ولا اهتمام , أمي كانت تعاني من أمراض مزمنة , فشل كلويي , وارتفاع في ضغط الدم , ونزيف في المخ , كل تلك الأمراض أصابتها في الكبر , وابني الصغير مات هو أيضاً بمرضٍ غامضٍ, وإخوتي , وكل أصدقائي الطيبين الذين أحبهم رحلوا عن هذه الحياة , كلهم ركبوا قطار الفراق , وسافروا, لا بل أخذهم الموت جميعاً , إلي حيث هناك العالم الأخر, وأنا أيضاً أنتظر دوري , سأموت يوماً ما حتماً , ولا شك , ولا محالة سأموت , وسألحق بهم في يومٍ من الأيام , كما أنتم ستموتون أيضاً ــ ههههههه ــ ما أقصرها من حياة .. ,؟! .. وما أبشعها تلك اللحظات التي تكون عند الفراق , ماذا أقول لك يا أيها الموت القاسي , البغيض إلي كل نفس, ليسامحك الله,
ـــ إني أريد أن أنسى كل شيء الليلة .. ولكن لا أستطيع … اللعنة …؟!..
كم من مرة جاءني الموت , ورأيته وجهاً لوجه , ولم أمت , كم من مرة لم يستطع الموت أن يهزمني .. الموت جبان , يأتي متخفياً , حتى لا يراه أحد , …
” أذكر أول مره رأيتُ الموت .. كان في الترعة الصغيرة المجاورة للجسر .. حين كنت صغيراً ألهو والعب مع أصدقائي , تحديته أكثر من مرةٍ , ولم أمت , دخلتُ معه في صراع مريرٍ , وغلبته , وحين كبرتُ , وركبت موج البحر الهادر , لم أغرق , وعندما التهمتني النيران في صبيحة أحد أيام الشتاء القارص, وأنا أتلمس الدفء أمام موقد النار حُرقت , لكني لم أمتْ , وفزت عليه , لكن حين مات أبي , هزمني , بل قضى عليَّ , نعم أعترف بفشلي , وهزيمتي أمامه حين أخذ مني من أحب , ولم أستطع أن أنقذه من براثنه , لأنه كان هو الأقوى , وهو الأقوى دائماً , وفي النهاية سيغلبني , أعرف ذلك جيداً , وأعترف أمامك أيها الموت انك أنت الأقوى , ولا أحد يقدر عليك , ” …..
ــ تباً لهذا الشراب اللعين , إنه لا يفعل شيء , وأنا أريد أن أنسى كل شيء ,
أريد أن أستريح , أريد أن أنام , فإني الليلة متعب جداً, وأحتاج إلي قسط من الراحة , آآآه … لو تأتي إليَّ ألان أيها الموت البغيض , لأستريح , ….
أحقاً ما قرأت عنك , لقد قرأت عنك الكثير , والكثير , وأنا لا أدري إن كان ما قرأت حقيقة , أم مجرد أخبار , وحكايات , أو ربما تكون قصة من نسيج خيال , ….
لكم نُسجت حولك الأساطير , والخرافات , هل حقاً انك كل يوم تتفرس في الوجوه , مرتين في الصباح , وفي المساء , وتنادي علي الناس : ” يا أبناء الأربعين , استعدوا فقد اقترب الأجل , ويا أبناء الخمسين أوشكتم علي الرحيل , ويا أبناء الستين قد أعزر الله لكم , ويا أبناء السبعين تهيئوا للقاء ..”.. تري أقصَّاب أنت أيها الموت , ؟!.. أم بستاني تقطف الزهور الجميلة من حياتنا ..؟.. أم وحش كأثر لا ترحم أحداً ,؟!!.. أجبني بربك من أنت ..؟!…..
ما زلت أذكر أبي , في اللحظات الأخيرة , وهو علي فراش الموت , وما قاله لي قُببِل أن يموت , وهو يتوجع من شدة الألم , والدموع تملأ عينيه , آآآه ….
ــ راعي أمك , وحافظ على صلاتك , وأمن بالله , وبقدره ,
ــ ………….
ــ أعطني الكأس واسقني , فالشراب قد ينسي الوجعَ , وأنا أريد أن أنسى كل شيء , ولو لبعض الوقت , ناولني كأساً آخر , ولا تشفق عليّ , …….
ما منا من أحد يستطيع أن يفلت من براثن الموت , وقبضته القوية , الكل سيبتلعهم الموت في جوفه .. كل الطيبون يرحلون , وكذلك الأشرار , حتماً يوماً ما سيرحل الجميع , فكل شيءٍ له نهاية , كما له بداية , حتى الموت له نهاية , وله بداية , يقيناً , أيها الموت القاسي لك نهاية , أنا أعرفها جيداً , قرأتُ عنها في الكتب , ستتجرع من نفس الكأس الذي سقيت به الخلق , ولكن تلك النهاية ليست في هذه الحياة , ستكون هناك على رؤوس الأشهاد , لأن هذا العالم فاني , وإلى زوال , نعم إلى زوال , الكل سيفنى , وليس غير الله يبقى , ومن على فالله أعلى , …….


تمت 13 / 5 / 2018
على السيد محمد حزين ــ طهطا ــ سوهاج ــ مصر

تابعونى على قناة جريدةنسر العروبة يوتيوب كل حصرى وجديد

https://www.youtube.com/channel/UC5fN2oPtbwd4hHKapb-IVKA