بسمه_العزابي
المصارحة صارحت أمينة الحايك بكل شيء، وأنها عميلة للموساد، وأنه شريكها، وأطلعته على صور فاضحة تجمعهما، وأسمعته صوته وهو يمليها أرقام تلفونات رجال المقاومة، وانتهت الجلسة بأن وقّّع على إقرار بالتعاون مع الموساد، وطلبت منه أن تدخل الى غرفة السنترال المركزي لتستمع بنفسها للمكالمات بين القادة الفلسطينيين، وهو مطلوب منه أن يفعل ذلك ويعلم بمواعيد العمليات الفدائية وأماكنها داخل إسرائيل. أسفرت تلك العملية عن فائدة عظيمة لإسرائيل، فالتجسس المستمر على مكالمات القادة وزعماء الجبهات الفلسطينية، كشف نواياهم تجاه الدولة العبرية، وخططهم الفدائية للضرب داخل الأراضي المحتلة، ولم تكن الأحاديث الهاتفية مكشوفة تماماً، يستطيع المتنصت عليها إدراك مضامينها بسهولة، إنما اعتمدت على أسلوب التمويه والشفرة الكلامية التي تتطلب مهارة عبقرية لفهمها، لكن زعماء الجبهات أحياناً كثيرة ينسون أنفسهم ويتحدثون علانية في ما بينهم صراحة، أو مع مساعديهم ظناً منهم – وهذا خطأ كبير – أن التجسس على محادثاتهم أمر مستحيل من قبل اللبنانيين، فالدوائر الهاتفية المغلقة كانت محددة بكل منظمة، والاتصال بالمنظمات الأخرى في بيروت نفسها يتم بواسطة خطوط شبكة المدينة، وكذلك الاتصال بخارج المدينة. كانت السرية خاضعة للخدش عن طريق زرع أجهزة التنصت، أو استراق السمع بأسلوب الحايك، من خلال الغرفة السرية التي أقامتها الميليشيا المسيحية في لبنان للتجسس على المسلمين، وعلى الفلسطينيين أيضاً الذين اتخذوا من حي الفكهاني مقراً لهم، فكان بمثابة عاصمة فلسطينية وسط بيروت وجنوبها.اتصل الحايك بأمينة قبل فجر 23 مايو (أيار) 1974، ففتحت على الفور جهاز اللاسلكي، وبثت إلى الموساد رسالتها الخطيرة: (آر. كيو. آر. بعد 37 دقيقة من الآن – سيهاجم ثمانية من الفدائيين المتسللين مستعمرة زرعيت.. تسليحهم رشاشات كلاشن وقنابل 57 ملم.. شالوم) وبالفعل صدقت المعلومة تماماً، وأطبق الإسرائيليون على الفدائيين الثمانية، فقتلوا ستة منهم وأسروا اثنين. عندما كانت أمينة تتجسس بنفسها على مكالمات القادة الفلسطينيين، اقتحمت الخط السري الخاص بمكتب جورج حبش، ولاحظت بعد مكالمات عدة له، أن هناك ترتيبات عسكرية تُعد بشكل سري، حتى انفجر الحوار ساخناً جداً بينه وبين أحد مساعديه في صيدا، وبدا حبش منفعلاً أشد الانفعال، وهو يأمر مساعده بإتمام العملية يوم 13 يونيو (حزيران). في غمرة انفعاله، نطق اسم كيبوتز شامير سهواً، لم تهمل عميلة الموساد الأمر، وأبلغت رؤساءها على الفور بما سمعته، وبعد ثلاثة أيام كان هناك خمسة من الفدائيين القتلى على مشارف قرية كيبوتز شامير، بوغتوا قبل أن يستعملوا رشاشاتهم الآلية، وفي 27 يونيو (حزيران)1974 لقي ثلاثة فدائيين آخرين مصرعهم، بعدما قتلوا أربعة من الجنود الإسرائيليين في نهاريا… هكذا كانت أخبار العمليات الفدائية تصل أولا بأول إلى إسرائيل ويتم التعامل معها قبل أن تتم.كانت الحكومة الإسرائيلية مصمِّمة على تدمير البنية العسكرية الفلسطينية في جنوب لبنان، وكانت جهودها لمتابعة مصالحها في لبنان تشمل دبلوماسية سرية، فقد حدث اتصال وثيق بين الموساد وميليشيات لبنانية، حيث دعم الاتصالات معها على اعتقاد بأنها ستوفر مزايا مهمة لإسرائيل، أهمها إسكات المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان والتجسس على الجيش السوري. لذلك كانت صفوف طويلة من عملاء الموساد تعمل في لبنان باطمئنان وبلا خوف من السلطات اللبنانية، لكن الخوف كان منبعه جهاز المخابرات الفلسطيني الذى يرأسه علي حسن سلامة، الذي استطاع بنفسه كشف أكثر من عشرين عميلاً للموساد بين صفوف المقاومة وأعدمهم بنفسه، وأحاط كل غريب بدوائر من الشكوك والريب.في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 1974عندما كانت أمينة في غرفة المراقبة السرية بالسنترال، صُعقت وهي تستمع إلى حوار ساخن بين علي حسن سلامة وأحد مساعديه، وأدركت أنها النهاية المؤكدة للملك حسين، كانت تنصت إلى حوار هادئ بين عبد الوهاب الكيالي زعيم جبهة التحرير العربية التي ترتبط بحزب البعث العراقي، وأحمد جبريل زعيم جبهة التحرير الشعبية التي نفذت عملية فدائية ناجحة في إسرائيل منذ فترة وجيزة، ولم يكن في الحوار أمر ذو أهمية. تحولت الى خطوط عرفات فكانت مغلقة، طرأ في بالها أن تدخل على خط علي سلامة، وكان يتحدث مع أبو نضال، فضغطت على زر التسجيل ووضعت السماعات فوق أذنيها، وذهلت مما سمعته، لقد كان يدبر لاغتيال الملك حسين أثناء حضوره مؤتمر القمة العربية الذي كان منعقدًا وقتها في الرباط !!.أرسلت المعلومة فورًا الى الموساد، وبعد 36 دقيقة جاءتها رسالة تطلب منها إعادة البث، وكان القلق اعترى إسرائيل خوفا على الملك حسين، ومرت ثلث الساعة إلا دقيقة، حيث جاءت رسالة أخرى تحمل أمراً في غاية العجب والدهشة، جاءتها أوامر بالبحث عن وسيلة لدخول شقة علي حسن سلامة بحجة تطبيب عياله، وتعجبت من كونه أباً وله عيال، فكيف تقبل جورجينا رزق ملكة جمال الكون أن تكون زوجة ثانية، ولم تعرف بأن له زوجة أولى من أسرة الشيخ أمين الحسيني، وهي نفسها أم أولاده.كانت المذابح التي مات فيها عشرات الآلاف من الأبرياء، المعروفة باسم «أيلول الأسود» وهو الاسم الحركي للفرقة السرية الخاصة التابعة لعرفات، والتي يترأس عملياتها سلامة الذي نفذ أولى عملياتها باغتيال وصفي التل، ثم توالت العمليات في عواصم أوروبا ضد الإسرائيليين، وفكر سلامة جدياً في ضرورة التخلص من الملك حسين، وحالف الحظ هذا الأخير، عندما تمكنت السلطات المغربية من إلقاء القبض على وحدتي كوماندوز فلسطينيتين، وصلتا من إسبانيا لاغتياله، وعُتِّم على الأمر خصوصا وقد حضر عرفات المؤتمر، وحقق نجاحاً كبيراً في الحصول على أكبر دعم عربي لشرعية منظمة التحرير، وبموجب مقررات مؤتمر الرباط، أصبحت المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ومسؤولة عن وضع الاستراتيجية التي تراها كفيلة باستعادة الحقوق المشر عه. . الي اللقاء في الحلقة القادمة.
https://www.youtube.com/channel/UC5fN2oPtbwd4hHKapb-IVKA/videos








