بين الحب و النوم

93373812 4111647922211151 3370400157320347648 o

بقلم / د.ظريف حسين أستاذ و رئيس قسم الفلسفة-جامعة الزقازيق..

ينتمي كل من النوم و الحب الي المستوي البيولوجي،أي المستوي الأساس للحياة،و هما بالتالي ينتميان الي المستوي اللاإرادي في مقابل المستوي الواعي الإرادي – أي القصدي – لدي الإنسان:فوظيفتيهما معا حفظ الحياة و باستقلال تام عن العقل،و القصد.
غير أن النوم يعمل بالأساس علي حفظ الأفراد في حين يعمل الحب علي بقاء الأنواع كلها من حيث إنه شكل الغريزة،أي مجرد تعبير ثقافي عن الرغبة الجنسية، و بالتالي التناسلية،و هي التي تجبر الأفراد (في الغالب )علي انتقاء ما يناسبهم بلا وعي إرادي منهم للطرف الآخر في العلاقة من أجل إنتاج نسل جديد و متجدد باستمرار،أي له القدرة علي مجابهة عوامل فناء النوع.
و بذلك يظل عمل كل من النوم و الحب علي مستوي وظائف الحياة الأساسية،أي الفيسيولوجيا،علي الرغم من بعضنا قد يضفي علي الحب-بصفة خاصة-خصائص ميتافيزيقية،أي فوق طبيعية،أو فوق مادية،تجعله شيئا لا يجد تفسيره في هذا العالم تماما كالذين يرون النوم عملا روحانيا تتكاشف من خلاله الأرواح متحررات من قيود البدن لتنتج ظواهر خارقة كالأحلام التي تعد جزءا من النبوة حينا و جزءا من ظاهرة نفسية تسمي الاستشعار عن بُعد telepathyحينا آخر.
و كم نتج عن هذا الفهم الاعتقاد بالاختلاف النوعي بين الجسم و النفس التي هي الروح طبقا لبعض التفاسير المؤسسة علي النظرة السابقة.
وفضلا عن هذا التشابه السابق بين النوم و الحب ففيهما تكمن أيضا جدلية ثنائية:في الحب جدل الحضور و الغياب:فكل من يقرأ قصيدة نذار قباني التي عنوانها “أسألك الرحيلا” يدرك مباشرة أن هناك جدلا بين الرغبة في التوحد مع الحبيب و الهلع من مجرد فقدانه من جهة،و الملل من حضوره الدائم خشية تعرض شخصية المحب للمسخ نتيجة هذا التوحد من جهة أخري.
و نحن نجد هذا الجدل في النوم أيضا بين الموت الذي يمثله هذا النوم – إذا يمثل عطلا في الوظائف الحيوية الإرادية الي الحد الذي يسميه الله شبيه الموت،أو يطلق البعض عليه اسم الموت الأصغر – من جهة و الحياة التي يكرس لها هذا النوم لتجديدها من جهة أخري. و في كلتا الحالين لا يمكن تصور كل من النوم و الحب إلا بوجود هذا الجدل السابق في تضافر قاهر.و البديل بالقطع هو انهيار الوجود المادي و الثقافي (الروحي،إذن ) للحياة.
بالإضافة إلي أن النوم و الحب كليهما يلتقيان في كل من الحلم و الإستحلام:فالحلم هو معني ثقافي، و لكن الاستحلام فمادي،و منهما معا تتشكل عوامل الحضارة بجانبيها المعنوي و المادي.
و تتوقف الروح العامة لهذه الحضارة علي جودة هذين الجانبين،أعني صحتهما في مقبل الاعتلال الذي قد يصيبهما بما يؤدي الي أفول الحضارة أو ازدهارها.فإذا أردتَ أن تستشرف مستقبل أمة فيجب عليك أن تعرف مدي صحة أحلامها التي تشمل بأوسع المعاني معني الاستحلام الذي يعني مدي قدرة الإنسان علي الاستحواذ علي موضوعاته المادية،أي علي عالم أدواته.و ذلك ببساطة لأن الحلم يعني المستقبل،أو هو ما ينبغي أن يكون.و بذلك يمكننا القول إن من فقد حلمَه فقد فقدَ نفسه!