حصرى بقلم / ا د جمال علي خليل الدهشان

في ظلّ الظروف الطارئة التي مرت ولازالت تمرّ بها دول العالم ومن بينها الدول العربية بسبب انتشار مرض كوفيد-19 (فيروس كورونا) ، والذي أدّى إلى إغلاق المدارس في معظم الدول العربية ، تعطّلت الدروس بصفة كلّية أو جزئية في عدد منها كالمملكة العربيّة السعوديّة، دولة الإمارات العربية المتّحدة، الجمهورية اللبنانية، دولة الكويت، ودولة البحرين ، ومصر… وغيرها .
ولم يكن امام تلك الدول بدا من الاعتماد على التعليم عن بُعد وعبر الإنترنت لضمان توفير التعليم خلال فترة إغلاق المدارس، فى ظل وجود 826 مليون تلميذ (50 في المائة) من الذين لا يزالون خارج المدرسة بسبب أزمة تفشي فيروس كورونا لا يمكنهم الوصول إلى كمبيوتر، و706 مليون طفل (43 في المائة) يفتقرون إلى اتصال بالإنترنت و56 مليون طفل يعيشون في مناطق لا تغطيها شبكات المحمول.
واضطر المسؤولون في الوزارة والجامعات الى قبول التعليم عن بعد كجزء من عمليات التعليم والتعلم، وهذا بدوره سيؤدي الى اضطرار الكليات والاقسام والتدريسيين إلى التفكير والنظر في أي جزء من المنهج التعليمي ، سيتم تقديمه عبر المحاضرات الصفية وأي جزء سيتم تقديمه عبر الإنترنت ، سيحدث هذا بالرغم من معارضة كثير من الطلبة لهذا النوع من التعليم، وبالرغم من ضعف معارف اطراف العملية التعليمية حول اساليبه وطرق استخداماته ، وقلة خبرتهم بالتدريس عبر الانترنت ، ولان الحاجة أم الاختراع ، فقد بدأت إعلانات الدورات التدريبية لمنصات التعليم عن بعد تغرق مواقع التواصل الاجتماعي داعية تلك الاطراف للمشاركة وتعلم هذه التكنولوجيا الجديدة.
لكن رغم الحاجة الماسة إلى التعليم عن بعد في زمن كورونا ، إلّا أن هناك انتقادات مطوّلة من خبراء في التربية لهذه التقنيات ، بل إن دراسة لمركز السياسات الوطنية التعليمية في الولايات المتحدة أوصت عام 2019 بوقف أو تقليل المدارس الرقمية فيها حتى يتم التأكد من أسباب ضعف مردودها الذي ظهر جلياً في خلاصات الدراسة، مقارنة بالمدارس التقليدية.
ان نقل التعليم الصفي او الجامعي الى تعليم الكتروني او تعليم عن بعد ، لا يكون بضغطة زر متى نشاء واين نشاء ، وانما يجب الاستعداد المسبق لمثل هذه النقلة النوعية والتى لا يمكن ان تتم بين ليلة وضحاها.
فالابحاث والدراسات تشير الى ان تحويل ساعة صفية واحدة من النظام التقليدي الى النظام الالكتروني تستغرق من الوقت ما يزيد عن عشرات الساعات الفعلية يقوم بها المعلم ، لذلك فان الحديث عن ان هناك خطة بديلة لنقل التعليم الصفي الى التعليم عن بعد في حال انتشار وباء فيروس كورونا ، يستلزم من صانعي القرار الخاص بذلك الوعى بمداخل ومخارج التعليم الالكتروني والمتطلبات اللازمة لنجاحه وتحقيق اهدافه، اعتمادا على النظريات الحديثة فى تصميم المواد للتعليم الالكتروني .
كما اشارت تلك الدراسات الى ان التعليم الالكتروني ليس فقط وضع المادة (بصيغة نص او بي دي اف) في روابط ولصقها على المواقع الالكترونية ، ثم يطلب من الطلاب القراءة فحسب ، وانما اعقد من ذلك بكثير ، بما يساعد فى اطلاق العنان للطالب لكى يفكر ويتفاعل ويشارك في تصميم معرفته الخاصة ، فكانت الحاجة ملحة جداً لاتباع نظريات التعليم الحديثة لتصميم المواد للتعليم الالكتروني.
هذه النظريات تقوم على ثلاثة محاور للتأكد من ان المادة المعطاة اونلاين يمكن ان تساعد الطلبة بالخروج بنتائج تعليم مرضية وطويلة الأمد ، وهذه المحاور تتمثل فيما يلى
المحور الأول هو الحضور الذهني، وهو ما يستلزم ضرورة ان يتم تصميم المادة والفعاليات التعليمية المرتبطة بها ، بشكل يمكن الطالب من طرح مشكلة ما واكتشاف الحلول المناسبة لها ، وذلك عن طريق الحوار والتواصل بين أعضاء المجتمع الدراسي (الصف او المجموعة) لاكتشاف حلول ممكنة ، ثم تجميع تلك المعلومات وإعادة طرحها على شكل حلول مناسبة ومتعددة.
وتلك الطريقة تضمن ان الطلبة توصلوا لحل المشكلة بأنفسهم وانهم تعلموا من طريقة تفكير الاخرين ، ويمكن ان يكون ذلك ممكنا عن طريق انشاء منصات للتواصل (ملتقيات النقاش) بين الطلبة لمناقشة الأسئلة المعدة مسبقاً من قبل معلم المادة.
اما المحور الثانى (محور حضور التعليم) ويتلخص فى ضرورة ان تكون الوسائل والأنشطة التعليمية قد تم تصميمها من قبل معلم المادة وكذلك حضور المعلم لحلقات النقاش وتواجده لمتابعة النقاشات ، والتأكد من انها تسير ضمن الحدود التعليمية المرسومة لها ، وبما يضمن تفاعل الطلاب مع بعضهم البعض ومع المادة.
اما المحور الثالث والذى يعد من اهم محاور الدراسة اونلاين ، فهو (محور الحضور الاجتماعي ) ، ويتمثل فى ان المعلم مع الطلبة يجب ان يكونوا “حاضرين” لدعم بعضهم البعض في عملية التعليم والتعلم ، بما يقلل من الشعور بالعزلة ويعزز من التشاركية في الإجابة عن التساؤلات و يعزز الثقة بالمادة المعطاة وكذلك يحسن من الأداء الذهني.
فلا وجود للتعليم الإلكتروني بدون المعلم الواعى ، فالتعليم الإلكتروني هو وسيلة لنقل المعلومة وتبقى الحاجة ملحة الى المعلم كخبير في موضوع المادة المعطاة ، دون الاكتفاء ، بوضعها بشكل نص (بصيغة بي دي أف) على الموقع الإلكتروني ، كما ان طرق التدريس عن طريق الإنترنت تختلف اختلافًا جذريًا عن طرق التدريس التقليدية ، ولذلك فانه من الضروري ان يكون معلمي المستقبل مسلحين بالعلم بالمادة المعطاة او المحتوى ، وكذلك بأساليب التدريس الحديثة باستخدام التكنولوجيا والإنترنت.
وفى ظل ما اكده العلماء من أنّه لا يوجد أمل بالقضاء أو الانتهاء من أزمة فيروس كورونا بشكل نهائي وإلى الأبد ، ان خطة التعايش مع هذا الوباء أصبحت أمر ضروري لإنقاذ الاقتصاد الوطني والعالمى ، بدأ العالم يتجه للمرحلة الثانية في التعامل مع الوباء، وهي مرحلة “التعايش”، التي تتنبأ بعودة للحياة اليومية ، مع فيروس بلا لقاح ، فقد صرح جين تشي، مدير معهد الأكاديمية الصينية للعلوم الطبية، بإنه “من المحتمل جدا أن يكون كورونا وباءً يتعايش معه البشر لفترة طويلة، ويصبح موسميا ومستمرا بالتواجد داخل الأجسام البشرية”، على البشرية التعايش مع كورونا لاستحالة القضاء عليه نهائيا ، ليرسخ فكرة التعايش مع الوباء، من خلال قيام بعض الدول بتخفيف الإغلاقات، ورفع القيود على التجارة ، وعلى الحركة ، وعلى المؤسسات التعليمية والطلاب والمعلمين ، اصبح من الضرورى فى مجال التعليم اللجوء الى التعليم عن بعد .
والواقع ان تجربة الاعتماد على التعليم عن بعد كبديل او حتى مكمل للتعليم التقليدى ما بعد كورونا ستواجهه تحديات عديدة تتمثل فيما يلى :
1- القصور الواضح فى الوفاء بمتطلبات التحول من التعليم التقليدى الى التعليم عن بعد:
إن التعليم عن بعد لا يقتضي فقط قدرة وفهم المدرس والطالب فقط ، وإنما ينبغي توفر بنية معلوماتية ، تتضمن سيرفرات إنترنت قوية يمكن لعدد كبير من الطلبة الدخول إليها في وقتٍ واحد ، كذلك قوة الإنترنت في البيوت ، فإن لم تكن هذه العوامل موجودة، فلن تتم عملية التعليم عن بعد أو ستتم بصعوبة ، ان التعلم عن بعد يحتاج بنية تحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وأنظمتها، بما في ذلك البرامج والأجهزة وتأمين الشبكات والمواقع وغيرها، وهو ما تفتقده العديد من المؤسسات التعليمية في الوطن العربي خاصة غير النفطية ، فالمؤسسات التعليمية التي ليست لديها هذه البنية القوية لايمكنها التحول الفجائي إلى نظام التعلم عن بعد”.
فعلى الرغم من أن التعلم عن بعد الناجح في العالم أتى بعد تراكم تجارب على مدار سنوات، وتطور فى فكرته ، فقد جاءت جائحة كورونا لتجبر بعض البلدان العربية على انتقال مفاجئ نحو التعليم عن بعد ، وحاولت الوزارات المعنية تسهيل العملية بخلق منصات للتعليم الإلكتروني ، الا ان العديد من الدول لم تختبر سابقاً التقنيات التي يتيحها التعليم الإلكتروني، ولا تزال التجارب العربية متواضعة جدا، ولا تتركز الناجحة منها جزئياً إلّا في بعض الدول النفطية الغنية، بل لم تستطع دول عربية كثيرة حتى إدخال التعليم عن بعد في النظام الجامعي ، اضافة الى ضعف عدم ضعف اعداد وتدريب اعضاء الهيئة التعليمية للتعليم عن بعد ، حتى التدريب الذى تم لهم جاء شكليا ، إذ ينحصر جلّ التدريب على التعامل داخل الفصل الدراسي التقليدي، وجلّ المبادرات الرقمية التي كانت تتم بين المدرسين والتلاميذ كانت تطوّعية، وهناك تحدٍ آخر يخصّ الثقافة الرقمية للتلاميذ، فغالباً ما تركز المناهج التقليدية على برامج بسيطة مثل اوفس/ Office، مقارنة مع مناهج دول متقدمة تتيح للتلاميذ دروساً جد متقدمة في المجال الرقمي.
اضافة الى الى ان العديد من الطلاب غير متحمسين لتجربتهم عبر الإنترنت ، فقد قالت احدى الطالبات عن تجربتها خلال الفترة الماضية اننا “لم نتعلم الكثير هذا العام، كنا أقرب لفئران التجارب لاختبار كيفية التفاعل مع التعلم عبر الإنترنت، و لذلك، لا ينبغي أن يستمر ذلك ليصبح الوضع الشائع في العام المقبل ، أتمنى أن نحصل على تعليم مؤهل بشكل أفضل .”
2- ضعف الأوضاع المعيشية لجزء كبير من السكان وعدم وصول تغطية الانترنت إلى كل المناطق في البلاد ، الامر الذى يمكن ان يؤدى الى تقوية التفاوت الطبقي بين السكان، فأبناء الطبقة الغنية يتوفرون على التجهيزات المطلوبة، وباستطاعتهم حتى الاستفادة من دروس خصوصية داخل منازلهم في أوقات الحجر الصحي (رغم محاولة عدة بلدان منع هذه الدروس خلال هذه الفترة)، وهو ما يُحرم منه أبناء الطبقة الفقيرة الذين لا يجدون سوى المدارس العمومية لأجل التعلّم.
3- التفاعلية في التعليم يمكن ان تكون بعدا غائبا وتحديا فى حال الاخذ بنظام التعليم عن بعد ، حيث يرى البعض أن الافتقار للنواحي الواقعية في عملية التعليم يعتبر أهم عيوب هذا الأسلوب في التعليم، الذي يحتاج في بعض الأحيان للمسات إنسانية بين المعلم والمتعلم، فمن الصعب إيصال الأحاسيس عبر الوسائط النصية الفورية كالغضب مثلا، ولكن ليست مستحيلة، ففي التعليم التقليدي (وجها لوجه) يرى الطلاب بعضهم لبعض، ويعرف بعضهم البعض معرفة جيدة، ويتفاعلون مع المعلم خلال العملية التعليمية، وفى التعليم التقليدي يعتبر وجود الطالب في قاعة الدرس حضوراً حتى لو كان صامتاً، أما في التعليم الالكتروني فإن الطالب الذي يحضر ولا يشارك فكأنه غير حاضر ولكن السؤال كيف نجعل كل هذا التعارف والتفاعل يحدث عندما يكون الاتصال مقتصراً على النص أو الصوت عبر شاشة الحاسب فقط ؟ ، إن التفاعل بين الطلبة والمشرفين عليهم في فضاء جامعي حقيقي صغير، يمكن ان يتم بصورة طبيعية من خلال الاعتماد على العديد من قنوات .
4- أن نظم التعليم في هذه الدول “جامدة بشكل كبير”، وتعاني عدة مشاكل منها التركيز على الشهادات أكثر من المهارات، والحرص الزائد على الانضباط ، بما يؤدي إلى “التحفيظ والتعلم السلبي من طرف المعلم دون مشاركة فعالة من جانب الطلاب ، كما ان الهيكل التنظيمي لمؤسساتنا التعليمية لا يساعد على تحقيق هذا التغيير في طرق التعليم والتعلم ، حيث انه تاريخيا يعتبر الهيكل التنظيمي الهرمي من بين أكبر العوائق التي تحول دون تغيير هادف ، هذا هو الحال بالتأكيد لما نشهده اليوم مع “نظام المقررات المبني على الوحدات” والذي تحول الى نظام الكورسات الفصلي بسبب الحواجز الاكاديمية والوظيفية بين الكليات والأقسام، وبين هيئة التدريس والإدارة، وفرضه بالقوة وبدون تجربته ، كما كان مقررا له في السابق ، كما ان هناك حواجز أخرى يمكنها ان تكون حجر عثرة امام خلق التآزر اللازم لإنجاح نظام متداخل وفعال من التعليم الصفي والتعليم الالكتروني.
اضافة الى غياب التشريعات الداعمة للتعليم الالكترونى ، ففي معظم دول المنطقة ، لا يجيز قانون التعليم التعليم عن بعد أو تقييم مثل هذا التعلم ، ففي خضم الأزمة الراهنة، يتم التغاضي من قبل الحكومات عن هذه القضايا القانونية للسماح للجامعات بإستمرار برامج التدريس الخاصة بها عبر الإنترنت، ونامل إن تلك الأزمة قد تسرّع في إجراء تغييرات في القوانين الوطنية الخاصة بذلك.
5- تحدى التقويم والامتحانات ، حيث تعتبر الامتحانات مسألة شائكة من اكثر التحديات التى ستواجة التعليم فى ظل كرونا وما بعدها ، إذ ألغت العديد من الدول بالفعل الامتحانات النهائية في الجامعات ومددت تعليق الأنشطة التعليمية على الصعيد المحلي ، على سبيل المثال، قال المجلس الأعلى للجامعات في مصر وجه المجلس الجامعات الى الاستعاضة عن الامتحانات الشخصية بورقة بحثية أو امتحانات عبر الإنترنت خاصة فى السنوات غير النهائية .
حيث يتجه الأساتذة إلى استخدام المشاريع المشتركة والامتحانات الشفوية والأوراق البحثية لتقييم الطلاب نظراً لعدم القدرة على إجراء امتحانات تقليدية بسبب وباء فيروس كورونا المستجد.
والواقع انه اذا كان التعليم عبر الإنترنت مختلف عن التعليم التقليدي من ثم يجب أن تختلف تبعاً لذلك عملية التقويم والامتحانات الخاصة به ، من حيث التركيز على وسائل التفكير المنطقي وليس الحفظ، ، ومحاولة وضع ضوابط صارمة لضمان أن يتم ذلك بطريقة صحيحة، والتأكد أن من أدى متطلبات تلك الامتحانات هو الطالب نفسه وليس أي شخص آخر، كما أن شبكة الإنترنت تكتظ بالبحوث والأوراق الجاهزة “للنسخ واللصق” وهي بأعداد لا حدود لها وتشكل نسبة كبيرة من المواد المنشورة على الشبكة بأسرها، وعلى هذا الأساس يستطيع الطلاب الغش وانتحال بحوثهم من الإنترنت بحيث تبدو سليمة من الناحية الأكاديمية تماماً كأي بحث يتم إعداده بكل أمانة.
كما ان تقييم الجوانب العملية والشفوية فى المقررات وتقييم المهارات الخاصة بها ، يعد اخطر التحديات التى تواجه التقييم عن بعد ، فبالرغم من التطور الواضح فى التقييم الالكترونى وميكنة التقويم ووجود برمجيات عديدة تتعلق بالامتحانات الالكترونية وبنوك الاسئلة ، الا ان تقييم الجانب العملى لازال يشكلة تحديا يواجه الدول العربية فى هذا الصدد ، وهو ما دعا الكثير من الدول الى تاجيل تقويم هذا الجانب الى نهاية العام الدراسى املا فى تحسن الظروف فى مواجهة تلك الجائحة .
أن تقييم تعلم الطلاب اصبح من ابرز التحديات الواجب التغلب عليها ، حيث يواجه المعلمون في جميع أنحاء المنطقة العربية تحديًا جديدًا يتمثل في كيفية إجراء امتحانات لتقييم ما تعلمه الطلاب بعد التحول نحو التعليم الإلكتروني في أعقاب إغلاق جميع الجامعات تقريبًا بهدف وقف انتشار فيروس كورونا الجديد.
كان الدافع الأول للعديد من المعلمين إجراء اختبارات عبر الإنترنت بذات الطريقة التي كانوا يعتمدونها في الفصل الدراسي، حيث اعتادوا تقييم طلابهم عبر اختبارات تحريرية تعتبر درجاتها النهائية معيار النجاح أو الرسوب، لكن المدرسين سرعان ما اكتشفوا وجود مشاكل تعترض تلك الفكرة، من أهمها إمكانية الغش. و مشاكل التحقق من المصداقية.”
مع ذلك هناك عدد متزايد من التقنيات التي يتم تطويرها للتحقق من هوية الشخص الذي يجري اختبارًا عبر الإنترنت ، يشمل ذلك تقنيات التعرف على الصورة والصوت وقزحية العين، من خلال امتحانات الكاميرا المتزامنة، وان كان البعض يُنظر إليها على أنها تطفلية ”، وفى المقابل يرى البعض انها يمكن أن تكون أكثر فائدة إذا ما تم تصميمها بشكل صحيح. … وفى وجود عقلية مختلفة ، كما ان بعض الباحثين يقومون بتطوير تطبيقات باستخدام الذكاء الاصطناعي للتحقق مما إذا كانت ضغطات المفاتيح للشخص الذي يخضع للاختبار تتطابق مع تلك التي تم تسجيلها مسبقًا للطالب المعني.ومن ناحية ثالث لابد من تغيير اسئلة التقييم والامتحانات
ومن ناحية أخرى يرى البعض أن الانترنت يتيح للطلاب الفرصة لكي يمتحنوا أنفسهم في اى وقت، وفى جو خال من اى مخاطرة أو توتر، فالاختبارات الحالية تمثل في كثير من الأحيان عامل إحباط للكثير من الطلاب ، بل وقد تولد لدى الطالب موقفا سلبيا تجاه التعليم كله ، أما الامتحان المدار ذاتياـ الذي يتم أثناء التعلم عبر الانترنت ، فهو يعد شكلا من أشكال استكشاف الذات ، جزءا ايجابيا من عملية التعلم ، ولن يستدعى خطأ ما تأنيبا قاسيا ، بل سيحفز النظام إلى مساعدة الطالب على التغلب على سوء فهمه، وستكون هناك خشية اقل من الاختبار الرسمي ومفاجآت أقل، إذ أن الامتحان الذاتي المتنامي باستمرار سيكسب كل طالب إحساسا أفضل بأين يقف بالضبط.
6- صعوبة ضبط عملية التعليم عبر الانترنت على مستوى واسع فى ظل الاعداد الكبيرة ، فبالنظر إلى عدد التلاميذ ومدى التزام أوليائهم بمتابعتهم في هذه المرحلة ، خاصة أننا نتحدث عن بيوت لكل واحد منها ظروفه وإمكانياته ، وهذا فعلا سيخلق نوعا من البلبلة ويحتاج إلى دراسة مركزة تنظر في التعليم الرقمي عن بعد ، وكشف آثاره وإيجابياته وسلبياته قبل إطلاقه ، لكن كما ظهور الفيروس بصورة مفاجاة ، انتشاره بسرعة فائقة ، دفع بسرعة البحث عن مخرج لتجنب اثاره ، وتوفير بديل عن الحرمان من التعليم بسبب اغلاق المدارس، وضياع سنة دراسية بأكملها.
7- نقص الوعي والتصور المتكامل عن التعليم عن بعد لدى كل اطراف العملية التعليمية ، اذ لا بد من أن نعترف أننا لسنا مستعدين للتعامل الفعال مع هذا التحول في نمط التعليم عن بعد ، وبالتالي تكمن أولى التحديات التي نواجهها في غياب الوعي الكامل أو الجزئي عن ماهية التعليم عن بعد ، وبالتالي لا بد أن نبدأ كأولياء أمور ومعلمين في تثقيف أنفسنا بأنفسنا عن ماهية التعليم عن بعد .
لعل ذلك يتطلب ضرورة نراجع تصوراتنا عن التعليم، فقد ساد في القرنين الماضيين أن التعليم هو مسؤولية المدرسة والمدرس، وهو ما يتم بداخل الصفوف التعليمية، ولكن في حقيقة الأمر فإن الانخراط في العملية التعليمية التقليدية والذهاب بصورة منتظمة للمدرسة في حد ذاته لا يعتبر تعليماً.
أن التعليم ليس قائماً على وجود مدرسة أو صفوف دراسية تقليدية، ولكنه عملية ممتدة ويمكن – وخصوصا في ظل الأزمة – أن يكون للبيت والأهل دور فعال في تعليم أبنائهم من خلال ، إتاحة الفرصة للتطبيق العملي والحياتي لما تعلموه في مدارسهم ، تعلم مهارات ومعارف جديدة ، وفى هذا الاطار لابد ان نشير الى أن “ما تم في اثناء فترة كورونا فى كثير من الحالات … لم يكن بالضرورة تعليمًا إلكترونيًا أكثر من كونه تسليم لذات المواد (التقليدية) عبر منصة افتراضية للتعلم الإلكتروني قاعدة تربوية مختلفة.” ولابد ان تضع المؤسسات التعليمية هذا التحذير في الاعتبار، والتفكير في أساليب التدريس والتوصيل والتقييم وتحسينها لتكون أكثر ملاءمة وفعالية في وضع التعلم الإلكتروني.
وفى الاطار لابد ان نشير الى انخفاض مستوى الوعى المعلومات وانتشار ما يسمى بالامية المعلوماتية فى المجتمعات العربية ، يعد من ابرز التحديات التى يمكن ان تواجه نجاح التعليم عن بعد ، وقد اشارات العديد من الدراسات الى إن نقص المهارات المعلوماتية مثل اللغوية والإلكترونية والتنظيمية والتحليلية والتقيمية والاختيارية للمعلومات ومصادرها المختلفة عند اطراف العملية التعليمية هي أحد أهم أسباب الأمية المعلوماتية.
وهنا ينبغى ان نشير الى ان الامر لا يتعلق فقط بتعلم جميع الأدوات الرقمية ، بل بضرورة الانتباه إلى كيفية استخدام كل أداة للغرض الصحيح في الوقت المناسب، ومعرفة الوقت الذي لا يتوجب فيه استخدام التكنولوجيا الأكثر تعقيدًا ، والاكتفاء بمجرد إرسال رسالة عبر البريد الإلكتروني أو إجراء مكالمة هاتفية.
فعلى الرغم من أن مؤسسات التعليم قد حققت إنجازا مقبولا في مجال نشر واستخدام التكنولوجيا، إلا أنه ما زال أمامها الكثير للقيام به ، لا بد أن يتوجه التركيز بصفة متجددة إلى نوعية التكنولوجيا الواجب اقتنائها وتعلمها والتدريب عليها والأسلوب الأمثل في تشغيلها والاستفادة منها.
8- التحول إلى التعليم عبر الإنترنت يزيد من حدة عدم المساواة وتكافوء الفرص التعليمية في المنطقة العربية : حيث سيتسبب التحول الأخير نحو التعليم عبر الإنترنت، بسبب انتشار وباء كورونا المستجد، في زيادة عدم المساواة في الوصول إلى التعليم بين التلاميذ في المنطقة في ظل تباين واقع انتشار وسرعة شبكة الإنترنت لكل دولة ، إضافة إلى إمكانية امتلاك حواسب شخصية وهواتف ذكية، وهو ما سيتسبب فى زيادة حدة الفجوة الرقمية وانعدام المساواة في إمكانات الاتصال بالإنترنت وتداعياتها : حيث يفتقر 3.7 مليار شخص إلى الاتصال بالإنترنت ، ويعيش أغلبهم في البلدان الأكثر فقرًا التي تزيد فيها الحاجة إلى نشر معلومات صحيحة حول فيروس كورونا المستجد.
وتظهر أهمية الإنترنت مع الاتجاه إلى التعلم عبر الإنترنت بسبب إغلاق المدارس في كثيرٍ من دول العالم ووجود أكثر من مليار طفل خارج الفصول الدراسية. ويُواجه ملايين الأطفال صعوبات في استكمال تعليمهم. يمكن أن يساهم التعليم عن بعد في تقوية التفاوت الطبقي بين السكان، فأبناء الطبقة الغنية يتوفرون على التجهيزات المطلوبة، وباستطاعتهم حتى الاستفادة من دروس خصوصية داخل منازلهم في أوقات الحجر الصحي (رغم محاولة عدة بلدان منع هذه الدروس خلال هذه الفترة)، وهو ما يُحرم منه أبناء الطبقة الفقيرة الذين لا يجدون سوى المدارس العمومية لأجل التعلّم، كما توجد إشكالية أخرى تتعلّق بالأطفال الذين يعانون مشاكل في النظر أو السمع، إذ لم يتم بعد توفير حل تقني يتيح لهم كذلك الاستفادة من التعليم عن بعد، وإن كانت مشكلة التجهيزات وولوج الانترنت مطروحاً في المدن ، فهو يزداد حدة في الأرياف، خاصة أنها لا تتوفر على شبكة اتصال قوية بالإنترنت.
9- ضعف التزام الطلاب واولياء امورهم بمتابعة برامج التعليم عن بعد : يعتبر هذا من أكبر التحديات لأنه من غير المنطقي توقع أن الأبناء سوف يتقبلون بسهولة فكرة “البقاء في المنزل” في بيوتهم، فقد كانت المدرسة في النهاية متنفس للتعرف على الأقران وقضاء الوقت الممتع معهم، وبالتالي لا بد من توقع المقاومة – العنيفة – من قبل الأبناء لهذا التحول.
وفى النهاية نرى ان التعليم عن بعد يمكن ينجح أكثر ويحقق اهدافه فى ظل ازمة كورونا “لو توفرت الشروط لإنجاحه، ومنها توفر تكوين مسبق لدى اطراف العملية التعليمية في مجال التعليم عن بعد ، وكذا استعداداتهم وتهيئتهم لمثل هذا النوع من التعلم، وتوفير البنية التحتية والرقمية اللازمة لنجاحه ، اعادة النظر فى كل جوانب النظام التعليمى العربى ليتواءم مع متطلبات ذلك النوع من التعليم .
واضافة الى ان فكرة التعلم عن بعد والتعليم الالكترونى ليس موضوعا جديدا، هو معروف من عقود، كما أن التوجه نحو التعليم الرقمي لم يكن شيئا غريبا، بل كان متوقع الحصول ولكن كورونا عجلت في ظهوره ودفع به إلى الواجهة.








