بقلم :عصمــــت مصباح يوسف خورشيد ..
( مدرس مساعد – قسم رياض الأطفال- كلية التربية -جامعة طنطا/دولة :مصر)
بين حبٍ و تقديرٍ و احترامٍ و حَنانٍ يعيش الطفل في اليابان !
تُعَدُّ اليابان من الدول المُتَقَدِّمِة في كثيرٍ من المجالات و لا سيما مجال التعليم ، و مرحلة الطفولة المبكرة هي مرحلة حاسمة في حياة الإنسان خاصةً منذ بداية سن الثالثة و قبل دخول مرحلة التعليم الأساسي حَيْثُ تتشكل في هذه المرحلة الاستعدادات الكافية و المرور بالخبرات التعليمية المختلفة التي تُعِدَّهُ ذهنيًا و نفسيًا و لُغَويًا و اجتماعيًا للمراحل التعليمية التالية ، فالطفل في فترة نموه من ( الثالثة حتى الخامسة ) يكون في أقصى درجات الاستعداد و على قدر كبير من الذكاء و الوعي .
تهتم دولة ” اليابان ” بالطفل منذ الميلاد ، و الطفل الأجنبي بالنسبة إليهم يضعوه أيضًا نصب أعينهم في موضع اهتمام ؛ فعند سفر أي أسرة من دولة عربية إليهم من بين أفرادها أطفالاً يتم تسجيل أسماء هذه الأطفال في إحدى المجالس لديهم و تستلم الأسرة بعد ذلك كتابًا يضم : ( أسماء الحضانات ، الخدمات المجانية للأطفال منذ الميلاد ، أسعار السلعات مع وجود كارت عليه تخيفضات لبعض السلع و للخدمات …).
تدعم ” اليابان” حقوق الطفل و تُقَدِّم له معظم الخدمات بشكل مجاني ؛ و يتضح ذلك في ” مركز رعاية الطفل ” الموجود في كثير من المقاطعات ؛ فهو مركز مجاني للأطفال في عمرهم المُبَكِر ( من الميلاد حتى ست سنوات) . يتم تسجيل الأسرة لاسم طفلهم به و يُعْطَى الطفل كودًا بحيث يسهل الدخول به في كل مرة مع لصق لاصقة بإسمه على ملابسه فيسهل التعرف عليه و نداءه و التعامل معه بين المسئولين . يُقَدَّم إلى الطفل من خلال هذا المركز : ( أوقات لعروض المسرحية المناسبة للطفل ، دورات تدريبية مجانية ، دورات للأمهات للتعرف على كيفية عمل مساج للطفل و هكذا …) .
تستطيع الأسرة أيضًا التعرف على الخدمات المُقَدَّمَة إليهم و إلى أطفالهم في أي مكان بسهولة من خلال الاطلاع على اللافتات المكتوبة على باب كل مِصْعَد في كل دور من أدوار المبنى في المحلات و المولات المختلفة ، كما يُتَاح للأم بشكل راقي غرفة مُخَصَّصَة و مُجَهَّزَة لإرضاع الطفل ، و غرفة أخرى لتغيير الحفاض و قسم لتحضير الحليب للطفل و كذلك أيضًا تقديم خدمة لقياس طول و وزن الطفل ، و لم يقف الأمر عند ذلك بل يوجد مكان مُخَصَّص لذوي الاحتياجات الخاصة … فما أجملها من دائرة مُحْكَمَة من النظام و الرفق بكل فرد يدخل دولة اليابان !
إِنَّ القاعدة الأساسية عند ” اليابان” هي السماح للطفل بالحرية في القيام بما يريده قبل سن الخامسة حتى و إِنْ أَخْطَأ ؛ فهذا يتيح له التعلم الذاتي و المعرفة الجديدة ، بالإضافة إلى المساواة في توفير الخدمات سواء أَكَانَ في التعليم أم الرياضة أم الترفيه أم غيرذلك من المجالات .
خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل من المألوف أن تصطحب الأمهات أطفالهن معهن في كل مكان، فهن يركزن على تعليم الأطفال الانضباط و النظام ؛ فتستعين الأمهات في اليابان بأسلوب الاقتراح لإرشاد أطفالهم إلى ما يجب عليهم القيام به، فبدلًا من الأمر المباشر على سبيل المثال في قول: ” التقط ألعابك ” تقول الأم : ” ماذا يجب عليك القيام به الآن بخصوص ألعابك؟ ، كما يُعَوِّدْنَ أطفالهن على احترام مشاعر الآخرين و مساعدة الجميع ؛ لذلك نجد الطفل الذي يتربى في ” اليابان ” يتميز بِأَنَّهُ مُهَذَب جدًا ، و حَسِن السلوك .
وقد أوضحت الدراسة المُقَارَنَة التي تمت على أساليب تربية الأطفال في المجتمعات المختلفة ، و التي تم نشرها عن طريق ” جمعية كانساس” لصحة الأطفال النفسية تحت اسم : “الانضباط في مرحلة الطفولة المبكرة ؛ قد أظهرت هذه الدراسة أن أطفال الأسرة اليابانية بشكل خاص تتميز بالتعلق، التعاطف والتناغم ؛ فالطفل الياباني يتعلم اتباع السلوكيات الاجتماعية كالبالغين، ولكن برغم ذلك يعتمد الطفل الياباني في المنزل بشكل كامل على الوالدين (خاصة الأم)، فهما لا يثبطان تلك الاعتمادية بل على العكس يقبلونها تمامًا ويشجعونها أيضًا، فالآباء اليابانيون يخفضون ميل الطفل الفردي إلى القيام بما يرغب في القيام به من خلال التقارب الشديد، ولذلك من النادر أن نشاهد طفلًا يابانيًا يمر بحالة من نوبات الغضب، برغم أن هناك بطبيعة الحال استثناءات للقاعدة دائمًا، لكن على أي حال يأتي دور الرَوْضَات بعد ذلك لمشاركة الأسرة في ضبط ذلك .
أَمَّا عَن ” روْضَات الأطفال في اليابان” فقد أسستها الحكومة اليابانية مُتَأثرةً بآراء “فروبل” و المدارس الأمريكية التي تعتمد في المقام الأول على تهيئة الأطفال للمدارس و مساعدتهم على النمو العقلي و الجسمي و النفسي السليم ؛ فهي شيء مُذْهِل تهدف في المقام الأول إلى تنمية قدرتهم على التفكير و القدرة على التعبير ، و كذلك تعليمهم بعض السلوكيات مثل الانضباط و الالتزام و الاعتماد على النفس و النظافة و النظام …) .
تبدأ السنة الدراسية في معظم المناطق باليابان في شهر ” أبريل “، و لكن يتم تقديم الأسرة لملف الطفل قبلها بعدة أشهر، و يختلف نظام الروضات من مقاطعة إلى أخرى داخل دولة ” اليابان” لكن في الغالب تنقسم مرحلة رياض الأطفال عندهم إلى ثلاث مراحل حيث تقبل الطفل بدءًا من سن ثلاث سنوات فالمرحلة الأولى يقضيها الطفل في سن الثالثة و المرحلة الثانية في الرابعة و المرحلة الثالثة في الخامسة من عُمْرِهِ حتى إذا وصل لسن ست سنوات حينئذٍ يكون على استعداد لأول سنة دراسية بالتعليم الأساسي داخل المدارس .
تُمَيِّزُ ” المدارس اليابانية” أطفالها بكتابة أسمائهم لى جميع ممتلكاتهم الخاصة مثل : ( الممحاة ، الأقلام ، الكراسات ، ..) و جميع الأدوات الخاصة بهم كما يتم كتابة اسم كل طفل على مُلْصَق خاص به قابل للصق على جميع أدواته الأخرى و أيضًا على ملابسهِ .
تتضمن حقيبة طفل الرَّوضَة حقيبة أدوات الأكل ، حقيبة تنظيف الأسنان ، حقيبة الملابس و تشمل : ( كيس بلاستيكي ، غيار داخلي إضافي ، جوارب إضافية ، حذاء داخلي يستخدمه داخل الرَوْضَة في بداية دخوله حيث يرتديه الطفل كل يوم ، و في نهاية الأسبوع يأتي به إلى البيت ليتم غسله ، و كذلك من ضمن حقيبة الملابس يُوجَد ما يمكن ارتدائه وقت الأشغال اليدوية و غيرها من الأنشطة داخل الروضة …) ).
من أهم وسائل تربية الطفل في الرَوْضَة هي ( المشاركة الوالدية) ، و يتم ذلك بشكل متطور جدًا ؛ فيوجد برنامج خاص يتم تنزيله بشكل رقمي على الهواتف بحيث يربط بين الرَوْضَات و الوالدين في المنزل ، و يتم إرسال بَرْنَامج شهري في بداية كل شهر يضم ثلاثة محاور ؛ و يُشير المحور الأول إلى البَرْنَامج العام لتقييم الأداء اليومي و كذلك يضم أيام الدوام و العطل الرسمية ، و المحور الثاني خاص ببرنامج عن مكونات الغذاء اليومي ، أَمَّا المحور الثالث فيضم ملاحظات و متطلبات مكتوبة باللغة اليابانية و أيضً الانجليزية لتيسير الأمر على الوالدين ، و من بعض الملاحظات التي تهتم بصحة الطفل ممنوع تواجد أي نوع من الحلوى أو الشيكولاتة ) ، و من الجدير بالذكر أيضًا إنَّه يوجد ورقة مخصصة لنوع الأكل أو المشروبات المطلوب تواجدها يوميًا مع الطفل في حقيبته حِفَاظًا و احترامًا لعادات المسلمين . كما يمكن للأسرة إبلاغ الرَوْضَة عن أي عذر لغياب الطفل يومًا ما ، و كذلك متابعة مواعيد الأوتوبيس الخاص بنقل الأطفال إلى الرَوْضَات و الاطمئنان على الأطفال حين وصولهم بكل حب واهتمام و احترام مُتَبَادَل .
يُعَدُّ دور مُعَلِمَة الرَوضَة دورًا مهمًا جدًا في تكوين شخصية الأطفال ؛ فالعَلَاقَة بين الأطفال و المعلمة قائمة على الارتباط العاطفي الشديد المليء بالحب و الاهتمام ، و لكن هذا لا يمنع أَنَّ ثمة شيئًا من الصرامة و الالتزام ببعض القواعد و أولها النظام و ترتيب كل طفل حاجاته بنفسه ، و تنفيذ التعليمات ؛ فكما سبق الإشارة إلى أَنَّ المباديء الأخلاقية و التربوية السليمة هي أساس الحياة في اليابان و تبدأ تنشئة هذه المباديء بالأخص في الرَوْضَات ، و من الطريف جدًا جَعْل كل طفل قائد في مجموعة عمل أثناء ممارسة الأنشطة الحسية المختلفة ؛ فالتعليم قائم على الفريق التعاوني مع وجود قائد من الأطفال أنفسهم ؛ و يترتب على ذلك اكتساب العديد من المهارات و الأخلاقيات بشكلٍ غير مباشر من خلال المواقف التربوية أو الأنشطة الحسية التي يشارك الأطفال في تنفيذها باستراتيجيات مختلفة تتابعها المُعَلِمَة و تقيمها و تقومها باستمرار…








