فضل شهر شعبان وليلة النصف منه
بقلم : الداعية الإسلامية : مهندسة / بهيرة خيرالله..

* ها نحن قد بدأنا منذ أيام شهر شعبان لعام 1447 هجري ، وهو شهرٌ له مكانة بين شهرين عظيمين ، الشهر الحرام رجب وشهر الصيام ونزول القرآن رمضان ، وعنه قال رسول الله
– صلي الله عليه وسلم – : ( ذاك شهرٌ تغفل الناسُ فيهِ عنهُ ، بين رجبَ ورمضانَ ، وهو شهرٌ تُرفع فيه الأعمال إلى رَبِّ العالمين ، وأحبُّ أن يُرفع عملى وأنا صائم ) .
وشعبان كالمقدمة لرمضان ، شُرع فيه ما يُشرع فى رمضان من الصيام والقيام وقراءة القرآن وسائر الطاعات والقربات من زكاة وصدقة ، للتأهب وترويض النفس على طاعة الله ودخول شهر صيام الفريضة والعبادة فى رمضان ، حتى أنه يُقال عنه ” شهر القُراء” .
وكذلك منزلة شعبان من الصيام بمنزلة السُّنن الرواتب مع فرائض الصلاة قبلها وبعدها ، فكما أن الرواتب أفضل التطوع بالنسبة للصلاة ، كذلك صيام ما قبل رمضان وما بعده السِّت من شوال هى أفضل التطوع فى الصيام .
* وفي شهر شعبان كان تحويل القبلة تطييبا لقلب رسول الله – صلي الله عليه وسلم
– فقد كان منذ فرضت الصلاة فى ليلة الإسراء والمعراج يُصلى إلى بيت المقدس وهو بمكة جاعلاً الكعبة بين يديه ليجمع بين قبلة أبيه إبراهيم وقبلة الأنبياء من بعده ، متجها إلي الشمال ، وهو المكان ما بين الرُّكن اليَمَاني والحجر الأسود ؛ فلما هاجر إلى المدينة كان لزاماً عليه أن يُعطى ظهره للبيت الحرام ليستقبل بيت المقدس ، فحَنَّ قلبه إلى قبلة أبيه إبراهيم … فأعطاه ربُّه مُراده ، وفى ذلك يقول تعالى فى سورة البقرة : { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ …الآية (144)}…
قال تعالي قبلة ترضاها أنت يا محمد ، ولم يقل تعالي : نرضاها نحن … فأرضاه فى قبلته ، وسيُرضيه فى الدنيا وفي الآخرة : ” وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ” [ الضحي:5] .
وقد قالت اليهود لما صلي الرسول – صلي الله عليه وسلم – إلي بيت المقدس بعد العودة من إسرائه ومعراجه وتكليفه بالصلاة ، قالوا : ( يجحد ديننا ويتبع قبلتنا ) ؛ ولما أمر الرسول – صلي الله عليه وسلم – بالتوجه إلى الكعبة ، قالت اليهود: ( لقد اشتاق محمد إلى مكان مولده ، وعَمَّا قريب يرجع إلى دينِ قومِه )
فأخبره الله تعالى بما سيقولونه : { سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا } ، ولقَّنَهُ الحُجَّة التى يردُّ بها عليهم : { قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءٌ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (142) } … ؛ وقال مشركوا مكة 🙁 يدَّعى محمدٌ ملة إبراهيم ويُخالف قبلته ) ؛ لذا جاء الأمر بتحويل القبلة تطيباً لقلب الرسول – صلي الله عليه وسلم – وفضحاً لهؤلاء ، واختبارًا وتمحيصًا لصدق إيمان من آمن ؛
كما قال تعالى : { … وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ .. (143)} [ سورة البقرة ] .
– وأهمية تحري القبلة ، فهي من شروط صحة الصلاة .* ومن لطائف القرآن ومعجزاته : أنه ورد الأمر بتولية وجوه المصلين شطر المسجد الحرام خمسُ مراتٍ فى الآيات [ 144 – 149 – 150 ] من سورة البقرة ، وفي هذا بيانٌ لـ : عدد الفرائض فى اليوم والليلة ” خمس” – وأهمية تحري القبلة ، فهي من شروط صحة الصلاة .
* وكان تحويل القبلة فى يوم النصف من شعبان ، على أشهر الأقوال ، فى أوائل الهجرة من السنة الثانية
– فقد جاء فى حديث البُراء بن عازب قال : ( صليتُ مع النبى – صلي الله عليه وسلم- إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهراً حتى نزلت الآية فى البقرة { وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ } [144] ، فنزلتْ بعدَ مَا صلى النبى – صلي الله عليه وسلم
– ، فانطلق رجلٌ من القوم فمرَّ بناسٍ من الأنصار وهم يُصلون فحدَّثهم فولوا وجوههم قبل البيت ) ، وكان الناس يُصلون بمسجد بنى سلمة المعروف “بمسجد ذى القبلتين” صلاة الظهر أو العصر ، فصلوا ركعتين قبل بيت المقدس ثم تحولوا فصلوا ركعتين قبل البيت الحرام .
* وليلة النصف هي ليلة مغفرة ، فعن معاذ بن جبل عن النبى – صلي الله عليه وسلم- أنه قال : ( إنَّ الله ليَطَّلع فى ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمُشركٍ أو مُشاحنٍ ) ، والشرك ليس بالضرورة الشرك الأعظم ، ولكن هناك شرك أصغر حذر منه الرَّسول
– صلي الله عليه وسلم- فقال : ( أخوَفُ ما أخافُ عليكم الشرك الأصغر – فسُئِلَ عنه ، فقال : الرِّياء ) ؛ ومنه يتضح فضيلة الصَّفح والعفو والبعد عن البغضاء والشحناء وفساد القلوب لمن يبتغى مغفرة الله -عزَّ وجلَّ- ورحمته ، وضرورة توحيد صفوف الأمة ، وما أحوجنا إليه فى هذا الأيام العصيبة .
– وروي عن علي -رضي الله عنه- أن رسول الله – صلي الله عليه وسلم- قال : ( إذا كانت ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها ، فإنَّ الله ينزل فيها لغروب الشمس إلي السَّماءِ الدنيا ، فينادي : ألا من مُسترزقٍ فأرزقه ، ألا من مُستغفرٍ فأغفر له ، ألا من مُبتلي فأعافيه ، ألا كذا ألا كذا … حتي يطلع الفجر ) .
نسأل الله تعالي أن ينقي قلوبنا ، ويوحد صفوفنا ، ونعوذ به أن نشرك به شيئا نعلمه ، ونستغفره لما لا نعلمه ، ونسأله أن يتقبل دعاءنا وصالح أعمالنا ، ويرفع عنا البلاء والوباء ، وأن يبارك لنا فى شعبان ويبلغنا رمضان غير فاقدين ولا مفقودين .
بتاريخ : الاثنين 26 يناير 2026م – 7شعبان 1447 هـ









اترك رد
View Comments