مع ضحايا كورنا فيروس …

81373221 1035121296861246 2361647905837678592 n 2

بقلم : أ . د . بومدين جلالي – الجزائر

أنا أتألم وأتالم بشدة … متوجعا حينا … متفجعا حينا … وجامعا بين التوجع والتفجع حينا … أنا صابر وصابر على مضض وحرقة ومرارة … صابر على توجعي وتفجعي … صابر على ضعفي أمام الموت وعجزي أمام البلاء … صابر على حزني الذي يسكنني وعلى حزن الناس الذي عصف بنوافذ قلبي وأبوابه مقتحما فضاءات الروح ومحتلا لها شبرا فشبرا … أصِبْتُ مع الذين أصيبوا دون أن أصاب … سقطت مع الذين سقطوا في الشوارع دون أن أسقط … نُقِلت مع الذين نُقلوا إلى المستشفيات دون أن أنقل … اختنقتُ … جفَّ حلقي … تصاعد اللهيب من جسدي … غاب وعيي تماما … وحدث وحدث وحدث دون أن يحدث أي شيء … متّ مع الذين ماتوا دون أن أموت …. صعب جدا جدا أن تُصاب وتتألم وتموت في اللحظة الواحدة كذا مرة وتحيا كذا مرة لتعيش درامية الوجود بين البلاء والوباء بصورة جديدة وقساوة متكررة متطورة كذا مرة … إيه كم أنا ضعيف أيها الناس … إيه كم أنت ضعيف أيها الإنسان حتى لو ادعيت أنك أقوى من القوة وما فوق القوة … حتى لو اعتقدت أنك خرقت الأرض وبلغت الجبال طولا وغزوت السماء وما بعد السماء … أنا أنتَ أنتِ هو هي نحن … نحن ضعفاء ضعفاء ضعفاء … ضعفاء بحمقنا الأبله الذي أقنعنا أننا عقلاء وأكثر من مجرد عقلاء … ضعفاء بفقرنا الأعمى الذي أوحى لنا أننا أغنياء نملك ونملك ونملك من غير أن نملك شيئا مطلقا يبقى بدوام الدوام … ضعفاء بجهلنا الأصم الذي قسّمنا إلى رُبُوات وعبيد لبعض المعرفة الرثة التي مسسنا جزئيات من حواشيها ثم اعتقدنا أنها المعرفة القصوى في تفاصيلها وإجمالها حتى دمرنا بها كوننا كما دمرنا بها أنفسنا بهمجية فاقت كل الهمجيات … ضعفاء بمسارنا الكارثي الطويل الذي كتبناه ونكتبه بدماء أرقناها أو أريقتْ منا وبقهر شيدناه أو وقعنا تحت جدرانه وبأوبئة كنا سبب تجليها في وجودنا أو ضحية لها … ضعفاء بتعدينا على أنفسنا وبيئتنا وشرائعنا كلها بغير استثناء يذكر … ضعفاء بعبثنا الممنهج المبرمج بكل ما فيه تحصين للروح والجسد في كل الثقافات والحضارات والديانات والأصقاع المتناثرة على وجه المعمورة … العلم لا يقتل ونحن جعلناه يقتل ويقتل ويقتل … الدين لا يقتل ونحن جعلناه يقتل ويقتل ويقتل … الحرية لا تقتل ونحن جعلناها تقتل وتقتل وتقتل … الديمقراطية لا تقتل ونحن جعلناها تقتل وتقتل وتقتل … التعمير والحضارة لا يقتلان ونحن جعلناهما يقتلان ويقتلان ويقتلان … كل التجليات التي فيها الحياة جعلناها تقتل وتقتل وتقتل … حولنا النعمة إلى نقمة كما حولنا السعادة إلى شقاء بخروجنا عن الفطرة الإنسانية وتمردنا عن كل استقامة مهما كانت مرجعياتها … إلى أين نحن سائرون ؟؟؟ لقد صنعنا النهاية باعوجاجنا وشذوذنا وتعدينا وهمجيتنا وجميع تصرفاتنا الخالية من قيم الحق والاستقامة والمسؤولية والإنسانية المفطورة على حب الخير وحده … وإن لم تكن هذه النهاية اليوم فهي غدا أو بعد غد … فمتى ندري أننا لا ندري شيئا عن ماهية الحياة السوية السليمة ؟؟؟ ومتى نعود إلى الله عبر الطريق السوي السليم الذي سار فيه جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام وخاتمهم رسول الهدى والخير إلى الإنسانية جمعاء محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم ؟؟؟ ختاما؛ أدعو نفسي وإياكم إلى الالتزام بالوقاية في أحسن صورها والمشاركة في مكافحة الوباء بالتبرعات للهيئات المختصة والتضامن مع المصابين والتكافل مع مستحقيه بأكبر نسبة مستطاعة، من غير حسابات مصلحية ذاتية. كما أدعو نفسي وإياكم أن نرفع الأيادي بالتضرع إلى الله تبارك وتعالى حتى يكتب أمواتنا في الشهداء ويرزق المصابين بعاجل الشفاء ويرفع عنا وعن البشرية بكل أطيافها ما تبقى من هذا الوباء ويهدينا إلى مراشد أمورنا التي فيها حياتنا الطبيعية ونجاتنا في الدارين. دمتم في حفظ الله.