ملحمة الكرامة.. عندما تعانق الإيمان والتخطيط في السادس من أكتوبر

ملحمة الكرامة.. عندما تعانق الإيمان والتخطيط في السادس من أكتوبر
ملحمة الكرامة.. عندما تعانق الإيمان والتخطيط في السادس من أكتوبر

ملحمة الكرامة.. عندما تعانق الإيمان والتخطيط في السادس من أكتوبر

بقلم أ/ محمود نسيرة…باحث لغوي وشرعي ومحقق تراث وخطيب بوزارة الأوقاف


تظل حرب أكتوبر المجيدة نقطة فارقة في تاريخ مصر والأمة العربية؛ لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل كانت ملحمة إنسانية وإيمانية جسّدت أسمى معاني العزيمة، وأثبتت أن النصر لا يُنال بالأماني، بل بالتقوى، والأخذ بالأسباب، والعمل الجاد.
فعقب نكسة عام 1967، عاش الشعب المصري وجيشه العظيم سنوات شاقة ذاق فيها مرارة اللحظة وثقل الظرف، حيث لم تكن الصعوبات مجرد عائق عسكري، بل كانت تحديًا نفسيًا وماديًا وجغرافيًا هائلًا. كان خط بارليف المنيع يقف كحائل خرساني أسطوري، وقناة السويس بمياهها وسواترها الترابية المرتفعة تصرخ بحالة من الاستحالة العسكرية، يضاف إلى ذلك التفوق النوعي في العتاد لدى العدو، لكن القلوب التي امتلأت باليقين لم تنكسر، والأيدي التي استمسكت بحبل الله لم ترتجف.


ومن رحم هذه المعاناة، تجلت حكمة الإعداد المحكم والعبقرية الهندسية العسكرية؛ فكان العطاء أولًا بفضل الله عز وجل وتوفيقه وإكرامه، ثم بتسخيره سبحانه وتعالى لقيادة واعية وحكيمة أخذت بالأسباب كاملة.

مطبقين الفهم العميق لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].

فتحت التوجيهات العامة والتنسيق الشامل تحت إدارة القائد العام المشير أحمد إسماعيل، والخطط الاستراتيجية الدقيقة التي وضعها رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق سعد الدين الشاذلي، والتخطيط العملياتي الذي أدار غرفة العمليات بقيادة اللواء محمد عبدالغني الجمسي، اكتملت أركان منظومة العبور.

وبتوفيق الله وهدايته، ألهم الله البطل مقدم أركان حرب باقي زكي يوسف فكرة فتح الثغرات في الساتر الترابي لخط بارليف باستخدام مضخات المياه القوية، لتتحول تلك السواتر العاتية إلى ركام في ساعات معدودة.

وتكامل ذلك مع حماية سماء المعركة عبر حائط الصواريخ الذي أسسه وبناه المشير محمد علي فهمي قائد قوات الدفاع الجوي، وضربة الطيران المركزية والتمهيد الجوي الذي أدارته قيادة القوات الجوية برئاسة اللواء محمد حسني مبارك، ليُسهم الجميع في نسج ثوب النصر وتجهيز خطط التمويه الاستراتيجي بكل إتقان واقتدار.


وفي العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر، حينما صدرت الأوامر بالعبور، عبر أبطالنا المانع المائي وهم يحملون أرواحهم على كفوفهم، لتنطلق صيحتهم الخالدة “الله أكبر” تزلزل الأرض من تحت أقدام المعتدين.

لم تكن تلك الصيحة مجرد شعار، بل كانت استمطارًا للرحمة والتأييد الإلهي، فتنزلت السكينة على قلوب المؤمنين، وتحقق وعد الله الذي لا يخلف وعده: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126].

أثبت الجندي المصري في تلك اللحظات أن العقيدة الصلبة أعتى من كل الترسانات، ممتثلًا لقول النبي ﷺ: «أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»؛ ولقد رمى أبطالنا بثبات، وأصابت عزيمتهم كبرياء العدو في مقتَل.


ورسم البسلاء على أرض المعركة صورًا معجزة للإقدام والفداء؛ فنجد “صائد الدبابات” البطل محمد عبد العاطي يقف بمفرده في مواجهة أسطول مدرعات كامل، يُسقط الدبابة تلو الأخرى بثبات ينخلع له فؤاد العدو داحرًا العشرات منها بصواريخه الموجهة، ومعه صائد الدبابات البطل محمد المصري الذي دمر بدوره عشرات المدرعات ودبابة القائد الإسرائيلي عساف ياجوري.

وعلى جوانب الجبهة، ضرب باقي الأبطال أمثلة نادرة في التضحية، مثل البطل سيد زكريا خليل “أسد سيناء” الذي واجه القوات الخاصة للعدو بمفرده وظل يقاوم حتى آخر نَفَس، والقائد البطل إبراهيم الرفاعي قائد المجموعة 139 قتال الذي أذاق العدو المرار في العمليات الخاصة خلف الخطوط حتى استشهد صائمًا محتسبًا.

كانت كل لحظة في الميدان تُكتب بنور؛ أبطال يربطون أنفسهم في أسلحتهم لضمان الثبات حتى آخر طلقة، في معزوفة إيمانية تترجم قوله تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].


وفور استقرار الأقدام على أرض سيناء الحبيبة، ارتفع علم مصر شامخًا فوق الساتر الترابي بأيدي جندي توضأ بالدماء وعُجنت أقدامه بتراب الوطن الطاهر.

لم يكن يرفع مجرد قطعة قماش، بل كان يرفع هامة أمة بأكملها، ويرد للوطن اعتباره وكرامته في لحظة تاريخية التقت فيها دموع الفرح بعبق الشهادة، وارتسمت على وجوه الأبطال سجدات الشكر لله الذي نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.

ستظل حرب أكتوبر درسًا خالدًا للأجيال أن الصعاب مهما بلغت شدتها تزول أمام حسن الظن بالله، والتكاتف، والإعداد المحكم، ورحم الله شهداءنا الأبرار الذين أهدونا هذا الوطن عزيزًا كريمًا.