يا عبد الله، لا تكن مثل فلان

يا عبد الله، لا تكن مثل فلان
يا عبد الله، لا تكن مثل فلان

يا عبد الله، لا تكن مثل فلان

يتقلَّب الإنسان بين النشاط والفتور، وبين الإقبال على الطاعة والتقصير فيها؛ فتارةً يجد في العبادة لذَّةً تدفعه إلى الإكثار منها، وتارةً يشعر بالكسل وثقل الأعمال الصالحة، حتى يوشك أن يترك ما اعتاد عليه من الخير. وهذه طبيعةٌ تحتاج إلى فقهٍ في التعامل معها؛ فلا يغترُّ الإنسان بنشاطه فينقطع من شدَّة ما حمَّل نفسه، ولا يستسلم لفتوره فيترك الطاعة بالكلية، وإنما يجاهد نفسه ليبقى قريبًا من الله في جميع أحواله.

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الطبيعة بقوله: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً»، ثم بيَّن أن النجاة في أن يبقى الإنسان على هدي السنة حين يفتر نشاطه.

فليس المطلوب أن تظلَّ في قمة حماسك طوال الوقت، وإنما أن تعرف كيف تتعامل مع ضعفك دون أن تخسر طريقك إلى الله؛ فإذا عجزت عن بعض النوافل فلا تفرِّط في الفرائض، وإذا قلَّ نشاطك فلا تهجر القرآن والذكر، بل الزم من العمل ما تستطيع الاستمرار عليه.

ومن هنا نفهم وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، حين قال له: «يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ».

فالخطر ليس في أن يمرَّ الإنسان بليلةٍ يفوته فيها قيام الليل، وإنما في أن يتحوَّل التقصير العارض إلى انقطاعٍ دائم، وأن يترك المرء عبادةً اعتادها حتى تصبح العودة إليها ثقيلةً على نفسه.

ولذلك ينبغي أن يختار من الأعمال ما يطيق، وأن يحافظ عليه، وألَّا يجعل حماسه في البداية سببًا في انقطاعه بعد ذلك.

وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».

فصفحةٌ من القرآن كل يوم خيرٌ من قراءة صفحاتٍ كثيرةٍ في يومٍ ثم هجر المصحف أسابيع، وركعتان من قيام الليل تحافظ عليهما خيرٌ من اجتهادٍ متكلَّفٍ يعقبه انقطاع، وذكرٌ يسيرٌ تداوم عليه خيرٌ من حماسٍ عابرٍ لا يبقى أثره. فاجعل لنفسك نصيبًا ثابتًا من الطاعة، ثم زد عليه إذا وجدت من نفسك نشاطًا، ولا تجعل الزيادة الموسمية بديلًا عن العمل المستمر.

ولأن الثبات لا يعتمد على قوة الإرادة وحدها، فإن من أعظم أسبابه صحبةُ الصالحين؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28]. فالله يأمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم بملازمة أهل الذكر والعبادة، وفي ذلك توجيهٌ لنا إلى اختيار الصحبة التي تعيننا على الاستقامة.

فالصاحب الصالح يذكِّرك إذا نسيت، ويشجِّعك إذا فترت، ويأخذ بيدك إلى الخير إذا ضعفت عزيمتك، أما صاحب الغفلة فقد يهوِّن عليك ترك الطاعة حتى يصبح التقصير أمرًا مألوفًا.

فاختر من تجالسه بعناية، واجعل بينك وبين إخوانك الصالحين تعاونًا على الصلاة والقرآن وسائر أعمال البر.

وقد تشتد الحاجة إلى هذه الصحبة في أزمنة الفتن، حين يصبح التمسك بالدين أصعب، ويقلُّ من يعين الإنسان على الطاعة. وفي ذلك ورد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ».

رواه أبو داود والترمذي، وحسَّنه الترمذي. وهذا يدل على عظم أجر الثبات حين تشتد الفتن. وليس معناه أن المتأخرين أفضل من الصحابة رضي الله عنهم، وإنما أن العامل قد ينال أجرًا عظيمًا لصبره على الطاعة في زمنٍ تكثر فيه أسباب الغفلة ويقلُّ فيه المعين على الخير.

فيا عبد الله، حوِّل هذه المعاني إلى خطواتٍ تبدأ بها اليوم: حافظ على الصلوات الخمس في أوقاتها، وحدِّد وردًا يوميًّا من القرآن ولو صفحةً واحدة، واختر نافلةً تستطيع المداومة عليها، واجعل لك وقتًا ثابتًا للذكر والاستغفار.

وابحث عن صاحبٍ صالحٍ تتواصيان معه بالحق والصبر، وتعينان بعضكما على المحافظة على الطاعات. وإذا فاتك عملٌ في يومٍ فلا تتركه في اليوم التالي، وإذا وقعت في معصيةٍ فبادر بالتوبة ولا تجعل الذنب سببًا لترك بقية أعمال الخير. وخصِّص وقتًا كل أسبوعٍ تراجع فيه حالك، فتحدِّد ما حافظت عليه وما قصَّرت فيه، وتضع خطةً بسيطةً للاستدراك.

ولا تنسَ أن تسأل الله الثبات؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من دعاء: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ». فابدأ بما تستطيع، وداوم عليه، واستعن بالله كلما ضعفت، ولا تنتظر أن تزول عنك كل أسباب الفتور حتى تعمل.

يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل فتركه؛ بل كن ممن يحافظ على عمله، فإذا فتر لم ينقطع، وإذا أخطأ تاب، وإذا ضعف استعان بالله. اجعل لك اليوم عملًا صالحًا ثابتًا، وصاحبًا يعينك على الخير، وموعدًا تراجع فيه نفسك؛ فالثبات لا يتحقق بالأماني، وإنما بخطواتٍ صغيرةٍ تتكرر كل يوم، حتى تلقى الله وأنت حريصٌ على طاعته.

جيلٌ متصل بالعالم.. منفصل عن نفسه! – للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=146620

الشيطان ووهم نقطة اللاعودة

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=146596


ما قبل الكارثة؛ حيث تبدأ المسئولية

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=146426

شبح التسول وخطره على المجتمع

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=146200


فساد الموازين

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=146030


جيلٌ أكلت السنوات شبابه –

للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145916


الزمن والوقت ٠٠٠ أسرار ودلالات

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145854

محمد ﷺ.. رحمةٌ للعالمين وقدوةٌ للإنسانية

للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145097

«مَن فرح بنا فرحنا به»

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145061

الكمالات الإنسانية للنبي صلى الله عليه وسلم

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145025

منّة الله على العالمين بميلاد الصادق الأمين

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145103

توجيهات لأولياء الأمور والطلاب – للمزيد اتبع الرابط التالي

– https://www.nesral3roba.com/?p=145821

العلم النافع((العمل بالعلم)) –

للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145818

السنن المهجورة.. كنوز نبوية نغفل عنها في زحام الحياة

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145803