الشهرة… الاختبار الذي لا يراه أحد
بقلم: عادل شاكر.. مدرس وخطيب بوزارة الأوقاف..
ليست الشهرة مجرد أضواءٍ تُسلَّط على الإنسان، ولا مجرد أسماءٍ تتردد على الألسنة؛ الشهرة امتحانٌ للذات حين تصبح محاطةً بعيون الآخرين.
فبعض الناس حين يسطع اسمه، يزداد تواضعًا؛ لأنه يدرك أن الضوء الذي وقع عليه ليس دليلًا على أنه مصدر النور. وبعضهم، حين تتكاثر حوله الأعين، يبدأ في تصديق الصورة التي صنعتها عنه تلك الأعين، حتى ينسى الإنسان الذي كانه قبل أن يصبح مشهورًا.
وهنا تبدأ الفتنة.
فالإنسان العادي قد يخطئ في نطاق محدود، أما المشهور فقد يتحول خطؤه إلى نموذج، وكلمته إلى موقف، وسلوكه إلى عدوى اجتماعية. ولذلك فإن اتساع دائرة الشهرة لا ينبغي أن يعني اتساع دائرة الغرور، بل اتساع دائرة المسؤولية.
المشكلة أن الشهرة تمنح الإنسان شيئًا خطيرًا: إحساسًا مضخمًا بالذات.
كلما قيل له: أنت مختلف، وأنت استثنائي، وأنت الأفضل، وأنت الذي لا يشبه الآخرين؛ قد يبدأ في بناء صورة ذهنية عن نفسه لا علاقة لها بحقيقته. ثم يصبح أسيرًا لهذه الصورة، فيدافع عنها حتى لو اضطر إلى أن يفقد نفسه في سبيل المحافظة عليها.
وهنا لا يعود الإنسان يعيش حياته، بل يبدأ في تمثيل شخصيته أمام جمهوره.
يضحك لأن الجمهور ينتظر منه الضحك، ويتكلم لأن الصمت قد لا يحقق التفاعل، ويكشف خصوصيته لأن الخصوصية لا تجلب المشاهدات، ويبالغ في مشاعره لأن الاعتدال لا يصنع ضجيجًا.
وهكذا يتحول الإنسان شيئًا فشيئًا من صاحب حياة إلى صاحب صورة.
والأخطر أن الصورة قد تبتلع صاحبها.
فحين يعتاد الإنسان التصفيق، يصبح الصمت ثقيلًا عليه. وحين يعتاد الإعجاب، تصبح الملاحظة جارحة. وحين يتذوق لذة أن يكون محط الأنظار، قد يصبح مستعدًا لفعل أي شيء كي لا يغادر دائرة الضوء.
وهنا تصبح الشهرة شبيهةً بالنار:
من عرف كيف يقترب منها أضاء بها، ومن فقد ميزان المسافة احترق فيها.
وليس كل ما يلمع في حياة الإنسان نجاحًا؛ فقد يكون بعض اللمعان بداية العمى.
فالشهرة لا تكشف قوة الإنسان فقط، وإنما تكشف أيضًا مقدار قدرته على مقاومة إغراء القوة.
وقد ينجح الإنسان في الوصول إلى القمة، ثم يفشل في البقاء إنسانًا فوقها.
إن أعظم خطر في الشهرة ليس أن يعرفك الناس، وإنما أن تبدأ أنت في تعريف نفسك من خلال معرفة الناس بك.
فإذا أصبح تقدير الآخرين هو مصدر قيمتك، أصبحت أسيرًا لهم. وإذا صار التصفيق غذاءً لروحك، أصبح النقد سمًّا لها. وإذا أصبحت صورتك أمام الجمهور أهم من حقيقتك أمام الله، فقد ربحت جمهورًا وخسرت نفسك.
ولهذا فالشهرة ليست دليلًا قطعيًا على الاستحقاق، كما أن قلة الشهرة ليست دليلًا على قلة القيمة.
كم من إنسان لا يعرفه إلا القليل، لكنه عند الله عظيم الأثر، وكم من اسمٍ ملأ الدنيا ضجيجًا ثم لم يترك وراءه إلا فراغًا.
القيمة ليست في حجم الضوء الذي يقع عليك، وإنما في الشيء الذي يظهر عندما يقع الضوء عليك.
ومن هنا ينبغي أن يفهم المشهور أن ما بين يديه ليس ملكيةً خاصة خالصة؛ لأن الشهرة تصنع نفوذًا، والنفوذ يصنع أثرًا، والأثر يصنع مسؤولية.
فإذا أصبحت قدوةً دون أن تطلب ذلك، فاحذر أن تجعل الناس يتعلمون منك ما لا تتمنى أن يتعلموه.
ليس مطلوبًا من المشهور أن يكون ملاكًا، فالإنسان يخطئ ويصيب، وليس مطلوبًا منه أن يلغي إنسانيته؛ وإنما المطلوب أن يعرف أن الحرية لا تعني غياب المسؤولية، وأن الشهرة لا تمنح صاحبها حصانةً أخلاقية.
أن تكون مشهورًا يعني أن خطأك قد يجد ألف عينٍ تراقبه، وقد يجد ألف شابٍ يقلده، وقد يتحول نزقك الشخصي إلى سلوك عام.
لذلك فإن الشهرة عطيةٌ ربانية لمن أحسن استقبالها، لكنها في الوقت نفسه أمانةٌ ثقيلة.
والسؤال الحقيقي ليس:
كم شخصًا يعرفك؟
بل:
ماذا يعرف الناس عن الإنسان الذي في داخلك؟
هل يرون فيك نموذجًا يرفع الإنسان، أم نموذجًا يسقط به؟
هل تجعلهم الشهرة أكثر احترامًا للقيم، أم أكثر استهزاءً بها؟
هل حين يراك الناس يتعلمون كيف ينجح الإنسان دون أن يفقد تواضعه، أم كيف يعلو الإنسان على الآخرين لأنه نجح؟
في النهاية، ستنطفئ الأضواء.
ستتوقف الكاميرات، ويهدأ التصفيق، وتنسحب الجماهير، وتبقى أنت وحدك أمام حقيقتك.
وهناك، في اللحظة التي لا يبقى فيها جمهور ولا شاشة ولا تصفيق، ستكتشف أن أهم شخص كان ينبغي ألا تخسره طوال رحلة الشهرة هو أنت.
فالشهرة قد تجعل الناس يرونك…
لكن الأخلاق هي التي تجعلهم يحترمونك.
والنجاح قد يرفع اسمك…
لكن التواضع هو الذي يحفظه.
والضوء قد يصنع حضورك…
لكن الإنسان الذي في داخلك هو الذي يقرر:
هل يكون هذا الضوء هدايةً للآخرين… أم نارًا تحرق صاحبها؟
جيلٌ أكلت السنوات شبابه –
للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145916
الزمن والوقت ٠٠٠ أسرار ودلالات
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145854
محمد ﷺ.. رحمةٌ للعالمين وقدوةٌ للإنسانية
للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145097
«مَن فرح بنا فرحنا به»
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145061
الكمالات الإنسانية للنبي صلى الله عليه وسلم
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145025
منّة الله على العالمين بميلاد الصادق الأمين
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145103
تسوق منتجات الأطفال
توجيهات لأولياء الأمور والطلاب – للمزيد اتبع الرابط التالي
– https://www.nesral3roba.com/?p=145821
العلم النافع((العمل بالعلم)) –
للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145818
السنن المهجورة.. كنوز نبوية نغفل عنها في زحام الحياة
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145803









اترك رد
View Comments