قارون والقارونيون في كل زمان
بقلم أ : عادل شاكر .. مدرس وخطيب بوزارة الأوقاف..
ليست قصة قارون حكاية رجل أغواه المال فحسب، بل هي كشف لنفس إنسانية تفتنها المظاهر، وتزن القيمة بمقدار ما تملكه الأيدي، لا بما تحمله القلوب من تقوى وحكمة واستقامة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: 76]، ثم يكشف القرآن سر اغتراره بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: 78]؛ فلم ير في نعمته فضلا يستوجب الشكر، بل رآها دليلا على استحقاقه وتفوقه، فحول النعمة إلى غرور، والملك إلى طغيان.
ولما خرج قارون على قومه في زينته، ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79]. هنا تبدأ الفتنة الأخرى: فتنة المعجبين بما يرون، الذين يشاهدون المظهر ولا يعرفون المصير، ويتمنون المكانة ولا يعلمون ثمنها، ويحسبون المال شاهدا على الفضل، وهو قد يكون ابتلاء واستدراجا.
وما أكثر القارونيين في كل زمان! منهم من يغتر بما ملك، فيرى نفسه فوق الناس، ومنهم من يحتقر ما في يده؛ لأنه ينظر دائما إلى ما في أيدي الآخرين. وبين متكبر بالنعمة وحاسد لصاحبها تضيع حقيقة واحدة: أن القيمة لا تقاس بالممتلكات، وأن الفضل ليس في كثرة ما نجمع، بل في حسن ما نصنع بما أعطينا.
وليس الطموح أن تسعى إلى الأفضل، فذلك من عزم الهمم؛ ولكن الخلل أن تتمنى زوال نعمة غيرك، أو تجعل حياتك مقارنة لا تنتهي بحياته. وليس الغنى عيبا، ولكن العيب أن يستعبدك المال، فتستكبر به على الخلق، أو تسخط على رزقك لأن غيرك أوسع منك حظا.
ولذلك وضع القرآن ميزانا يقطع طريق الحسد والمقارنة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: 131]. فليس كل ما يلمع نعمة خالصة، ولا كل ما فاتك خيرا لك، ولا كل من وسع الله عليه أرفع منزلة عنده.
وقد قال النبي ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس»؛ فإن القلب إذا افتقر لم تغنه كنوز الأرض، وإذا استغنى بالله لم تسلبه قلة المال كرامته.
وتأمل نهاية قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: 81]. لم تحمه كنوزه، ولم ترفعه مكانته، ولم تنفعه زينته؛ لأن ما يرفع الإنسان حقا ليس ما يملكه، بل ما يكونه.
فليس كل من تمنيت مكانه تعرف ثمن مكانه، وليس كل من أعجبك ظاهره تعلم ما يحمله باطنه. فلا تكن قارونيا يغتر بما يملك، ولا أسيرا يحسد الناس على ما يملكون؛ وكن عبدا يعرف قدر النعمة، ويشكر عليها، ويسعى بغير حسد، ويعلم أن الميزان عند الله ليس زينة الدنيا، بل تقوى القلوب وصلاح الأعمال.
شبح التسول وخطره على المجتمع
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=146200
ليستا خصمين… لكن الرجل قد يصنع منهما عدوين – للمزيد اتبع الرابط التالي –
فساد الموازين
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=146030
جيلٌ أكلت السنوات شبابه –
للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145916
الزمن والوقت ٠٠٠ أسرار ودلالات
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145854
محمد ﷺ.. رحمةٌ للعالمين وقدوةٌ للإنسانية
للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145097
«مَن فرح بنا فرحنا به»
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145061
الكمالات الإنسانية للنبي صلى الله عليه وسلم
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145025
منّة الله على العالمين بميلاد الصادق الأمين
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145103
توجيهات لأولياء الأمور والطلاب – للمزيد اتبع الرابط التالي
– https://www.nesral3roba.com/?p=145821
العلم النافع((العمل بالعلم)) –
للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145818
السنن المهجورة.. كنوز نبوية نغفل عنها في زحام الحياة
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145803










اترك رد
View Comments