ما قبل الكارثة؛ حيث تبدأ المسئولية

ما قبل الكارثة؛ حيث تبدأ المسئولية
ما قبل الكارثة؛ حيث تبدأ المسئولية

ليست الكوارث دائمًا وليدة لحظتها، ولا تنشأ الفواجع من فراغ؛ فكثيرًا ما تكون بذورها كامنة في خللٍ نراه ولا نعالجه، وخطرٍ نعرفه ولا نتداركه، وتحذيرٍ نؤجله حتى يصبح صرخةً لا ينفع معها الندم. وبين ظهور الخلل ووقوع الكارثة مساحةٌ واسعة، اسمها الوقاية، وفيها تتجلى حقيقة المسئولية، ويظهر الفرق بين من ينتظر الفاجعة ليتحرك، ومن يستشرف الخطر فيدفعه قبل أن يقع.


فكم من عمود كهرباء تتسرب منه الشحنات عند هطول الأمطار، فيتحول من مصدرٍ للنور إلى مصدرٍ للخطر، يهدد المارة والحيوانات بالصعق الكهربائي! وكم من ترعةٍ مفتوحة تفتقر إلى الحواجز الواقية، تظل خطرًا قائمًا حتى تقع حادثة غرق، فنبدأ عندئذٍ في البحث عن حلولٍ كان ينبغي اتخاذها قبل فوات الأوان! وكم من طريقٍ تكثر فيه الحفر، أو تغيب عنه الإضاءة والعلامات التحذيرية، أو تُترك فيه وسائل الأمان معطلة، حتى تقع حوادث التصادم والدهس، فتُزهق الأرواح وتُفجع الأسر، ثم تتعالى الأصوات مطالبةً بإصلاح ما كان إصلاحه أيسر قبل وقوع الحادث!


وليست الطرق وحدها شاهدةً على هذا الخلل؛ فهناك الكلاب الضالة التي قد تتسبب في عقر المارة، أو تدفع أحدهم إلى الفرار المفاجئ فيصطدم بمركبة أو يسقط مصابًا، بينما كان التعامل المنظم والإنساني مع الظاهرة كفيلًا بالحد من أخطارها. وهناك بالوعات الصرف الصحي المكشوفة التي قد تبتلع قدم طفل أو تتسبب في سقوط أحد المارة، وأسلاك الكهرباء المكشوفة التي تنتظر لمسةً عابرة لتتحول إلى خطرٍ قاتل، ومبانٍ متصدعة لا تُتخذ بشأنها إجراءاتٌ جادة إلا حين تنهار فوق رؤوس ساكنيها.


وفي بعض المناطق، تتراكم المياه الجوفية في ظل غياب شبكات الصرف الصحي أو قصورها، فتتضرر أساسات المباني، وتتدهور البيئة، وتتعرض صحة السكان للخطر. ومع كل موسم أمطار، تتكرر مشكلات تجمع المياه وانسداد المصارف، وقد تتحول الشوارع إلى مساحاتٍ تعوق الحركة وتهدد سلامة المشاة والمركبات. كما أن إهمال صيانة الجسور والمنشآت، وترك الأشجار المتهالكة والأعمدة الآيلة للسقوط دون معالجة، كلها صورٌ لخطرٍ صامت قد يظل أيامًا أو شهورًا قبل أن يُعلن عن نفسه في لحظةٍ مأساوية.


والسؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه: أكان لا بد أن يغرق إنسانٌ حتى نضع حاجزًا؟ أو يُصعق مارٌّ حتى نصلح عمودًا؟ أو يُعقر طفلٌ حتى نتحرك لمواجهة الخطر؟ أو ينهار منزلٌ حتى نلتفت إلى تصدعاته؟ إن قيمة المسئولية لا تظهر في سرعة التعامل مع الكارثة وحدها، بل في القدرة على منعها قبل أن تقع.


وهنا تتجلى حكمة الشريعة الإسلامية التي جعلت حفظ النفس وصيانة الأموال وحماية المجتمع من مقاصدها العظيمة، وأرست قاعدةً جامعةً في قول النبي ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار». فالوقاية من الضرر، وإزالة أسبابه، واتخاذ التدابير التي تحول دون وقوعه، ليست أمورًا هامشية، بل تدخل في صميم المسئولية الأخلاقية والواجب المجتمعي. كما أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله، وإنما هو من تمامه؛ إذ لا يستقيم أن نرى الخطر قائمًا، ونملك القدرة على دفعه، ثم ننتظر وقوعه ونكتفي بعد ذلك بالحزن والأسف.


والمسئولية هنا مشتركة؛ فالمؤسسات مطالبةٌ بالصيانة الدورية، والاستجابة السريعة للبلاغات، وتأمين المرافق العامة، ووضع خططٍ استباقية للمخاطر. والمواطن مطالبٌ بالإبلاغ عن مواطن الخلل، والمحافظة على الممتلكات العامة، وعدم الاستهانة بالمخاطر أو العبث بوسائل السلامة. فالمجتمع الذي يتعاون أفراده ومؤسساته على الوقاية، أقل تعرضًا للفواجع، وأقدر على حماية أرواحه ومقدراته.


إن الإصلاح بعد الكارثة واجب، لكن الأجدر بالعقل والحكمة ألّا ننتظر الكارثة لنُصلح. فما قبل الكارثة ليس زمنًا عابرًا، بل هو الميدان الحقيقي للمسئولية، والاختبار الصادق لضمير الفرد والمجتمع. فحين يظهر الخلل تبدأ المسئولية، وحين يصبح الخطر معلومًا، لا يعود تجاهله مجرد إهمالٍ عابر، بل تفريطٌ في فرصةٍ ربما كانت كفيلةً بإنقاذ حياة.

شبح التسول وخطره على المجتمع

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=146200



ليستا خصمين… لكن الرجل قد يصنع منهما عدوين – للمزيد اتبع الرابط التالي –



فساد الموازين

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=146030


جيلٌ أكلت السنوات شبابه –

للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145916

الزمن والوقت ٠٠٠ أسرار ودلالات

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145854

محمد ﷺ.. رحمةٌ للعالمين وقدوةٌ للإنسانية

للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145097

«مَن فرح بنا فرحنا به»

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145061

الكمالات الإنسانية للنبي صلى الله عليه وسلم

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145025

منّة الله على العالمين بميلاد الصادق الأمين

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145103

توجيهات لأولياء الأمور والطلاب – للمزيد اتبع الرابط التالي

– https://www.nesral3roba.com/?p=145821

العلم النافع((العمل بالعلم)) –

للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145818

السنن المهجورة.. كنوز نبوية نغفل عنها في زحام الحياة

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145803