من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل
بقلم / محمود نسيرة.
باحث لغوي وشرعي ومحقق تراث وخطيب بوزارة الأوقاف
تشرق شمس الشريعة الإسلامية بقيمٍ تجمع الشمل، وتداوي الجراح، وترسخ قواعد العيش المشترك على أسسٍ من الرحمة والمودة؛ ولعلَّ من أنصع الكلمات وأجمعها لجوهر التكافل قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ»؛ وهو جزءٌ من حديثٍ شريفٍ رواه الإمام مسلم في صحيحه والإمام النسائي في سننه، ليغدو ميثاقًا إنسانيًا خالدًا ونداءً عاليًا لحب الخير للآخرين.
لقد جاء الإسلام ليصوغ من الأفراد بنيانًا مرصوصًا تتماسك أركانه، وجعل إخوة الدين والدنيا رابطةً تتسامى على المصالح الضيقة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وقال جلَّ وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. ورسم النبي صلى الله عليه وسلم أبهى صور هذا الالتحام الشعوري فقال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، وجعل كمال الإيمان مرهونًا بصدق هذا الشعور الأخوي حين قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
وحين سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أيُّ الناسِ أحَبُّ إلى اللهِ؟» أطلقها حقيقةً مدوية: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً»؛ فالنفع هنا ليس فضيلةً عابرة، بل هو ذروة القرب من الله ومبعث السعادة الحقة.
غيرَ أننا إذا تطلعنا إلى واقعنا المعاصر، وجدنا جروحًا غائرةً سببها التفكك الأسري والأنانيّة النفعية؛ حيث طغت الماديات وجفت منابع التعاطف، مما يتنافى مع الهدي النبوي الصريح: «لَا تَقَاطَعُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا». إن هذا الشقاق يستوجب الاستمساك بيقين موعوده صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»؛ فمن أقال عثرة أخيه في خضم الحياة، أقال الله عثرته يوم الفزع الأكبر.
ولنا في خير القرون أسوةٌ حسنة؛ فقد تجسد هذا النفع المتبادل بأبهى معانيه في فكاك سلمان الفارسي رضي الله عنه من الأسر؛ فعندما حثه النبي صلى الله عليه وسلم على الكِتابة وقال لأصحابه: «أَعِينُوا أَخَاكُمْ»، تسابق الصحابة في إغاثته حتى غرسوا له ثلاثمائة ودية نخل ووفوا عنه الأواقي من الذهب، فغدا نفع الأخ واقعًا حكيمًا يُمشى على الأرض.
إن الحياة لا تطيب إلا بحمل الأثقال عن كاهل المتعبين، وإن السعادة الحقيقية هي تلك التي نغرسها في نفوس الآخرين؛ فليكن لكل منا سهمٌ في رفع معاناة مكروب، ولنتذكر دومًا قوله صلى الله عليه وسلم: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»، فمن استطاع منكم أن ينفع أخاه؛ فليسبق إلى الخير، وليترك أثرًا طيبًا يمتد نوره ولا يزول.
أخلاقنا بين الشرع وأعراف المجتمع –
للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145121
محمد ﷺ.. رحمةٌ للعالمين وقدوةٌ للإنسانية
للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145097
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
«مَن فرح بنا فرحنا به»
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145061
الكمالات الإنسانية للنبي صلى الله عليه وسلم
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145025
منّة الله على العالمين بميلاد الصادق الأمين
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145103










اترك رد
View Comments