حين يُقَادُ الشرع بزِمام العُرف

حين يُقَادُ الشرع بزِمام العُرف
حين يُقَادُ الشرع بزِمام العُرف

حين يُقَادُ الشرع بزِمام العُرف

في مجتمعاتنا المسلمة، يتسلل تناقضٌ عجيب يخنق جوهر الإيمان، ويتجلى في تحول “العُرف” من أصلٍ استئناسيٍّ يُستأنس به فيما لم يرد فيه نص، إلى صنمٍ معنوي تُقدّس أحكامه، ويُنقض على أعتابه صريح أحكام الشريعة.

لقد غدا العُرف -في كثير من تفاصيل حياتنا المعاصرة- حكَمًا يعلو ولا يُعلى عليه، وحاكمًا يُخْضِعُ الشرع لمقتضيات التقاليد، حتى بات الدين لدى البعض مجرد مظاهر، بينما تُدار الشئون الفعلية للمجتمع وفق “قانون العيب” لا “قانون الحرام”.

يتجلى هذا الطغيان العُرفي في أجلى صوره في مسألة الزواج؛ هذا الميثاق الغليظ الذي أُريد له أن يكون سكنًا ورحمة، فصار بسبب المغالاة والمباهاة ساحةً للمفاخرة الجاهلية والأثقال المادية. يُرهق الشباب بطلبات تعجيزية، وتُفرض شروط تُخالف روح السهولة التي أرساها النبي ﷺ بقوله: “أَعْظَمُ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً” [رواه أحمد].

يُقاس المرء في العُرف بحجم مهرِهِ وفخامة حفلِهِ ومظاهر بذخِهِ، وتُربط كرامة العائلات بنظرة الناس واستحسانهم، مسقطين أصل التقوى والصلاح الذي أمر به الحق سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. إن هذه المباهاة المذمومة لم تكن إلا استجابةً لمرض “نظرة الآخرين”؛ حيث يتعبد الناس بكلام خلقهِم لا برضا خالقهم.


ولم يقف طغيان العُرف عند حدود العلاقات والقيود الاجتماعية، بل امتد ليعبث بالأصول المالية والشرعية تحت لافتة “التوسع المفرط في مفهوم الضرورة”. أُبيحت الكبائر واستمرئ الرّبا بحجة “مواكبة العصر” أو “تأمين المستقبل”، وجرى تسويغ الاقتراض الربوي لشراء الكماليات أو توفير مظاهر الترف التي يفرضها العُرف المجتمعي.


نسيت الأمة أن الضرورة في الشرع تُقدّر بقدرها، وأن المحظور لا يُباح إلا للحفاظ على الكليات الخمس، وليس لتلبية رغبات المظاهر. وقد حذر القرآن الكريم من الرّبا أشد التحذير فقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]، وقال جل وعلا: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279]، ومع ذلك يُستبدل التحريم الإلهي بتسويغٍ عرفي يرى في الحرام “ذكاءً” و”ضرورةً مجتمعية”.


أمّا في باب السلوك اليومي والعلاقات الاجتماعية، فقد ظهر الاختلاط غير المبرر والتساهل في الضوابط الشرعية للتعامل بين الجنسين، تحت دعاوى المودة العائلية أو زيف “النيات الصافية”. يُضرَبُ بالحجاب الشرعي وغض البصر عرض الحائط؛ لأن “العُرف العائلي” يستهجن التحفظ ويراه جفاءً أو شكًّا! نسي هؤلاء أن الحرمات أحق أن تُصان، وأنَّ النبي ﷺ قال: “لَأَنْ يُطْعَنَ فِي رَأْسِ رَجُلٍ بِمِخْيَطٍ مِنْ حَدِيدٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَةً لا تَحِلُّ لَهُ” [رواه الطبراني].


إن خطورة تقديم العُرف على الشرع تكمن في استبدال المرجعية الإلهية المطلقة بمرجعية بشرية متقلبة، حيث ينشأ جيلٌ يستعظم “كلام الناس”، ويستخف بأمر رب الناس. يتناسى المجتمع أن العُرف الصحيح هو ما شهد له الشرع بالاعتبار ولم يخالف نصًّا ولا قاعدة، أمّا إذا صادم العُرف الشريعة فهو عُرفٌ فاسد، واتباعه ليس إلا نوعًا من اتباع الهوى الذي حذر منه الحق سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18].


إن النهضة الحقيقية للأمة تبدأ من تحرير العقول والقلوب من قيود العادات المبتدعة، وإعادة الشريعة إلى مكانتها السامية: حاكمةً على العُرف، وموجهةً للسلوك، ومعيارًا للحق والباطل. فالعُرف خادمٌ للشرع لا سيدٌ عليه، ومتى ما استقام العُرف على صراط النص استقامت حياة الناس وصفت أسرارهم وأعلنت القلوب عبوديتها الخالصة لله وحده.

فساد الموازين

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=146030

الشهرة… الاختبار الذي لا يراه أحد

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145943

جيلٌ أكلت السنوات شبابه –

للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145916

الزمن والوقت ٠٠٠ أسرار ودلالات

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145854

محمد ﷺ.. رحمةٌ للعالمين وقدوةٌ للإنسانية

للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145097

«مَن فرح بنا فرحنا به»

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145061

الكمالات الإنسانية للنبي صلى الله عليه وسلم

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145025

منّة الله على العالمين بميلاد الصادق الأمين

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145103

توجيهات لأولياء الأمور والطلاب – للمزيد اتبع الرابط التالي

– https://www.nesral3roba.com/?p=145821

العلم النافع((العمل بالعلم)) –

للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145818

السنن المهجورة.. كنوز نبوية نغفل عنها في زحام الحياة

– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145803