الشيطان ووهم نقطة اللاعودة
بقلم أ/ محمود نسيرة…باحث لغوي وشرعي ومحقق تراث وخطيب بوزارة الأوقاف..
ليس أخطر ما يفعله الشيطان بالإنسان أن يُوقِعَهُ في المعصية فحسب؛ بل أن يقنعه بعد وقوعه فيها بأن طريق العودة قد أُغلق، وأن ذنوبه قد بلغت من الكثرة مبلغًا لا تناله المغفرة؛ فيستسلم لخطئه، ويواصل السير في طريق المعصية، ظانًّا أن ماضيه قد حُسِمَ مصيره. وهنا تبلغ المكيدة غايتها؛ إذ يتحول الذنب من زلّة إلى إصرار، ويصبح اليأس من رحمة الله بابًا إلى مزيد من الذنوب.
لقد حذّرنا الله من عداوة الشيطان، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6]، وقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 168].
فهو يستدرج الإنسان خطوةً بعد خطوة؛ يزيّن له المعصية، ويهوّن عاقبتها، ويؤجل توبته، حتى إذا وقع فيها، أوحى إليه أن العودة لم تَعُدْ ممكنة، وأنه قد تجاوز نقطة اللاعودة.
غير أن الله تعالى يَهْدِمُ هذا الوهمَ من أساسه؛ فيقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
فليس المطلوب أن يكون الإنسان معصومًا من الخطأ، وإنما ألّا يجعل خطأه سببًا في الإعراض عن ربه، وألّا يظن أن كثرة ذنوبه تحرمه من التوبة.
وتتجلى هذه الحقيقة في قصة الرجل الذي قتل تسعةً وتسعين نفسًا، ثم سأل عن التوبة، فأفتاه راهب بأنه لا توبة له، فقتله وأكمل به المائة. لكنه لم يستسلم؛ بل سأل عالمًا، فقال له: «ومن يحول بينه وبين التوبة؟» وأرشده إلى أرضٍ يسكنها الصالحون ليترك بيئته الفاسدة. فخرج تائبًا، وأدركه الموت في الطريق، فغفر الله له؛ لأنه خرج بقلبٍ مقبلٍ على الله، وكان أقرب إلى أرض الصلاح. والقصة في الصحيحين. (البخاري ومسلم).
وفي حديث آخر، يروي النبي ﷺ خبر رجلٍ أمر أبناءه أن يحرقوا جسده بعد موته، ثم يسحقوه وينثروا رماده في الريح، خوفًا من عذاب الله، لما كان يظنه من سوء عمله. فجمعه الله وسأله عن سبب فعله، فقال: «مخافتك»، فغفر الله له. (صحيح البخاري).
ولم يكن خطؤه في تصوّر قدرته سبحانه مبررًا للنجاة، وإنما كان في قلبه خوفٌ صادق، فرحمه الله وغفر له.
ويؤكد النبي ﷺ سعة باب التوبة بقوله: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ…» (متفق عليه)، كما جاء في الحديث القدسي: «يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي» (رواه الترمذي(.
ولا تعني سعة الرحمة الاستهانة بالذنوب أو الإصرار عليها، بل تعني أن يندم العبد، ويقلع عن معصيته، ويعزم على عدم العودة إليها، ويردّ الحقوق إلى أصحابها إن تعلقت المعصية بحقوق العباد.
وإن ضعف بعد توبته، فلا يجعل من ضعفه حكمًا نهائيًّا على نفسه، بل يجدد توبته ويجاهد هواه.
إن نقطة اللاعودة ليست حقيقةً يُقَرِّرُهَا الشيطان، وإنما وهمٌ يريد به قطع الطريق بين العبد وربه.
فلا تجعل ذنبك أكبر في عينك من رحمة الله، ولا تسمح للشيطان أن يحوّل ندمك إلى قنوط، أو زلّتك إلى مصير محتوم؛ فباب التوبة مفتوح، وربك يدعوك إلى العودة. وما دام القلب حيًّا، فلا تجعل اليأس خاتمة الطريق، بل اجعل التوبة بدايةً لطريقٍ جديد.
ما قبل الكارثة؛ حيث تبدأ المسئولية
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=146426
شبح التسول وخطره على المجتمع
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=146200
ليستا خصمين… لكن الرجل قد يصنع منهما عدوين – للمزيد اتبع الرابط التالي –
فساد الموازين
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=146030
جيلٌ أكلت السنوات شبابه –
للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145916
الزمن والوقت ٠٠٠ أسرار ودلالات
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145854
محمد ﷺ.. رحمةٌ للعالمين وقدوةٌ للإنسانية
للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145097
«مَن فرح بنا فرحنا به»
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145061
الكمالات الإنسانية للنبي صلى الله عليه وسلم
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145025
منّة الله على العالمين بميلاد الصادق الأمين
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145103
توجيهات لأولياء الأمور والطلاب – للمزيد اتبع الرابط التالي
– https://www.nesral3roba.com/?p=145821
العلم النافع((العمل بالعلم)) –
للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145818
السنن المهجورة.. كنوز نبوية نغفل عنها في زحام الحياة
– للمزيد اتبع الرابط التالي – https://www.nesral3roba.com/?p=145803









اترك رد
View Comments